233

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

تشدده أو تساهله، ونقده الأحاديث عند دراستها، أكان يصنع صنيع السابقين وشيخه الشافعي، أم كان ينحو غير منحاهم، ومنحاه؟.

كان أحمد في مسنده لا يروي عن الكذابين، بل يروي عن التقاة العدول، فهو يروي عمن عرف بالتقوى، واشتهر بالصدق، ولا يرد الحديث لنقد في متنه إلا إذا عارضه غيره، ولا يشترط لقبوله عرضه على كتاب الله سبحانه وتعالى، بل يعتبر السنة مفسرة الكتاب، ودلائله، وهي بهذه المرتبة الموضحة، ولذا جاء في رسالته المسدد بن مسرهد البصري ما نصه.

((السنة عندنا آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسنة تفسر القرآن، وهي دلائل القرآن، وليس في السنة قياس ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول والأهواء، إنما هي الاتباع، وترك الهوى))

فهو لا يشترط لقبول السنة، موافقتها للقواعد، ولا عرضها عليها، بل يقبلها جميعها، ولا يرد من السنن إلا ما يعارض سنناً أقوى سنداً منها، وأوثق رجالاً، ولذلك كان يرد بعض ما يدونه في مسنده إذا عارضه أقوى منه سنداً، وأوثق رجالاً وأكثر عدداً، وشهرة واستفاضة، فهو يرد الخبر بسنة أقوى، لكيلا يخرج عن السنة، بل يكون في رد بعض الأخبار في دائرتها، لا يخرج منها.

وكان يقبل عن أهل التقوى الذين لم يعرفوا بالكذب، وإن كان في ضبطهم نقص، فهو يدون ما يأخذ عنهم، ويقبل روايتهم، ويعتبر بها، ويوازن بينها وبين غيرها، وإن عارضها ما هو أوثق منها ردها، فهو يردها بسند أقوى ولا يمنع الأخذ بها منعاً مجرداً، وقد قال في ذلك ابن تيمية.

((قد يكون الرجل عندهم ضعيفاً لكثرة الغلط في حديثه، ويكون حديثه الغالب عليه الصحة، فيروون عنه لأجل الاعتبار والاعتضاد، فإن تعدد الطرق وكثرتها يقوي بعضها بعضاً، حتى يحصل العلم بها.. وهذا مثل عبدالله بن لهيعة فإنه كان من أكابر علماء المسلمين، وكان قاضياً بمصر، كثير الحديث، ولكن احترقت كتبه، فصار يحدث من حفظه، فوقع في حديثه غلط كثير، مع أن الغالب

232