236

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

وربما كثرت الطرق، حتى أوصلته إلى درجة المستور، والسيء الحفظ بحيث إذا وجد له طريق آخر، فيه ضعيف قريب محتمل ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن. ولقد قال النووي: الحديث الضعيف عند تعدد الطرق يرتقي عن الضعف إلى الحسن، ويصير مقبولاً به وترى من هذا أن الضعيف قد يصير حسناً يعمل به، ولكن لا يكون العمل بالضعيف منفرداً، بل بالمجموعة التي تعددت طرقها، وكونت ثقة بالمنقول، لا بآحاد الناقلين)).

١٢٤- وتقسيم الحديث إلى هذه الأقسام الثلاثة لم يكن معروفاً في عصر أحمد رضي الله عنه، بل جاء من بعده إنما كانت الأحاديث عند أحمد إما صحيحة تتوافر فيها كل حدود الحديث الصحيح، فتقبل، وإما أحاديث ضعيفة لا يتوافر فيها ذلك الحد، ولا ينطبق عليها، فتكون ضعيفة، وعلى ذلك يدخل الحسن فيها، كما يدخل الضعيف الذي تعددت طرقه، ورفعته إلى درجة الحسن.

ولقد قال في ذلك ابن تيمية: أول من عرف أنه قسم الحديث إلى صحيح، وحسن، وضعيف أبو عيسى الترمذي، ولم تعرف هذه القسمة عن أحد قبله، وقد بين أبو عيسى مراده بذلك، فذكر أن الحسن ما تعددت طرقه، ولم يكن فيهم متهم بالكذب، ولم يكن شاذاً، وهو دون الصحيح الذي عرفت عدالة ناقليه، وضبطهم. وقال: الضعيف الذي عرف أن ناقله متهم بالكذب رديء الحفظ، فإنه إذا رواه المجهول خيف أن يكون كاذباً، أو سيء الحفظ، فإذا وافقه آخر لم يأخذ عنه عرف أنه لم يتعمد كذبه، واتفاق الاثنين على لفظ واحد طويل قد يكون ممتنعاً، وقد يكون بعيداً، ولما كان تجويز اتفاقهما في ذلك ممكناً نزل من درجة الصحيح.....

وأما من كان قبل الترمذي من العلماء، فما عرف عنهم هذا التقسيم الثلاثي، لكن كانوا يقسمونه إلى صحيح وضعيف، والضعيف كان عندهم نوعين: ضعيف ضعفاً لا يمنع العمل به، وهو يشبه الحسن في اصطلاح الترمذي، وضعيف ضعفاً يوجب تركه، وهو الواهي)).

وترى من هذا التوضيح أنه في عصر أحمد لم يكن إلا صحيح، رواته ثقات

235