Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
لا شذوذ فيه، ولا علة، وضعيف لم يكن رواته من الثقات، وأنه أحيانا يعمل به إذا لم يكونوا من المتهمين بالكذب، وتعددت الأوجه، أو كانوا متهمين وكثرت أوجه الروايات بهم، وهذا هو الحسن، وما في منزلة الحسن، فإن لم يكن كذلك كان واهيا أو موضوعا لا يلتفت إليه.
١٢٥- وإنما خضنا في ذكر هذه الأقسام، وتوضيح هذه الضروب من الروايات؛ لأنه روي عن الإمام أحمد رضي الله عنه أنه كان يعمل بالضعيف من الأخبار، وإن كانت منزلته في العمل بعد فتاوى الصحابة، ولقد قرر العلماء أن مسند أحمد كان فيه الضعيف من الأخبار كما ذكرنا، وكان هو يقبل الرواية عن الضعفاء، إذا لم يعرفوا بالكذب، فكان يروي عن بعض الذين لم يشتهروا بالضبط، كابن لهيعة وغيره، ممن كثر خطؤهم في الرواية والنقل، وإن لم يكونوا من أهل الكذب الذين يتعمدونه، بل كانوا من أهل التقوى والصلاح.
١٢٦- وقبل أن نحرر رأي الإمام أحمد رضي الله عنه ونبين الأسس التي بنى عليها الأخذ بضعيف الأخبار ــ نقول إن المذاهب ثلاثة في العمل بالخبر الضعيف: أولها - أنه لا يعمل به مطلقا، لا في الأحكام الشرعية، ولا في المواعظ، وهو مذهب كبار الحفاظ والمحدثين، كالبخاري ومسلم، ولقد شنع مسلم على كل من يأخذ بحديث ضعيف، وقال في ذلك في المقدمة التي افتتح بها صحيحه:
((إن الواجب على كل واحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين لها من المتهمين ألا يروي منها إلا ما عرف صحة نجاحه والستارة في ناقليه، وأن ينفي منها ما كان من أهل التهم، والمعاندين من أهل البدع، والدليل على أن الذي قلنا هو اللازم دون ما خالفه قول الله جل ذكره: ((يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة، فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)) وقال جل ثناؤه من ترضون من الشهداء، وقال عز وجل: ((وأشهدوا ذوي عدل منكم، فدل بما ذكرنا من هذه الآي أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول، وأن شهادة غير العدل مردودة، والخبر، وإن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه، فقد يجتمعان في أعظم معانيهما))
236