238

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

ويروى في التحذير من أخبار القصاص، والصالحين الذين يروون أخباراً في الترغيب والترهيب، عن عاصم: لا تجالسوا القصاص، وعن يحيى بن سعيد القطان: لم نر في الصالحين شيئاً أكذب منهم في الحديث، وفي رواية: لم نر أهل الخير في شيء أكذب منهم في الحديث. يعني أنه يجري الكذب على لسانهم، ولا يتعمدون الكذب.

ووجهة ذلك الرأي، أن هذا الدين لا يؤخذ فيه إلا بكتاب أو سنة ثابتة، والأخبار الضعيفة ليست سنة ثابتة، والأخذ بها زيادة في الدين بغير علم، وحجة، بل الأخذ بها يدخل في ضمن المنهي عنه في قوله تعالى: ((ولا تقف ما ليس لك به علم))، والأخذ بها أخذ بأقوال الفساق، ومن لا يحسنون النقل في الدين، وذلك كله لا يجوز وإنه خير للرجل أن يقول برأيه في أمر لا نص فيه، وإن أخطأ خطؤه منسوب إليه، من أن ينسب إلى الرسول ما لم يثبت أنه قال، ولأجل هذا لم يأخذ أولئك بحديث ضعيف قط، إلا إذا روي من وجوه كثيرة، وارتفع إلى مرتبة الحسن.

١٢٧ - الرأي الثاني أنه يعمل به في الفضائل، وينسب هذا القول إلى طائفة من علماء الفقه والأثر، فأبن عبد البر يقول: ((أحاديث الفضائل لا يحتاج فيها إلى ما يحتج به، وقال الحاكم: ((سمعت أبا زكريا العنبري يقول: ((الخبر إذا لم يحرم حلالاً، ولم يحل حراماً، ولم يوجب حكماً، وكان في ترغيب أو ترهيب أغمض عنه وتسوهل في رواته، وعن عبد الرحمن بن مهدي كما أخرجه البيهقي: ((إذا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا في الرجال، وإذا روينا في الفضائل والعقاب سهلنا في الأسانيد وتسامحنا في الأحاديث)، وروي مثل هذا عن أحمد بن حنبل رضي الله عنه فقد قال كما روى الميموني عنه: ((الأحاديث الرقائق يحتمل أن يتساهل فيها، حتى يجىء شيء فيه حكم))، وقد روي عنه أنه قال في سيرة ابن إسحاق: ((ابن إسحاق رجل يكتب الأحاديث (أي في المغازي ونحوها) وإذا جاء الحلال والحرام أرونا قوماً هكذا .... وقبض أصابعه الأربعة، إشارة إلى القوة في الوثوق)).

237