239

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

وإن هذا الكلام يدل بنصوصه على أمرين: (أحدهما) أن من كبار العلماء من يتساهل في قبول أخبار الضعاف، إذا كانت في ترغيب أو ترهيب، وعندي في هذا الأمر أنهم إن قصدوا قبول معاني هذه الأحاديث فأمر صحيح، ولكنه لا جدوى فيه؛ لأنها تأتي في فضائل مقررة ثابتة بالأحكام العامة في الإسلام، فلا جدوى في قبول الأحاديث؛ لأن هذه الأمور ثابتة من غير طريقها، ولا تحتاج إلى تقريرها، وإن قصدوا الحكم بصحة النسبة إلى الرسول، فإن ذلك حكم بأن الرسول قال، مع أنه لم يأت بسند صحيح نسبة القول إليه، وإن كلامهم إن حملناه على وجه يقبل نقول إنهم لم يتشددوا في تحري النسبة إلا عند التحليل والتحريم حيث تكون الثمرة تكليفًا فيه طلب أو منع أو إباحة، وذلك أخطر من مجرد النسبة.

(وثاني الأمرين) اللذين تدل عليهما النقول السابقة أن أحمد بن حنبل كان يتساهل في الرواية إذا لم تكن في تحليل أو تحريم وأنه يشدد إذا كانت ذلك، وإن هذا ينتهي إلى أن أحمد كان يقبل الضعاف فقط في الفضائل والمغازي والترغيب والترهيب، وأما التحليل والتحريم، فإنه لا يقبل إلا ما يكون من ثقة مقبول، لا سبيل إلى رد روايته، ولكن نقل عنه الأخذ بالضعاف إذا لم يكن ما يعتمد عليه إلا الرأي أو قبول خبر ضعيف، فيختار الثاني، حتى لا يقول في دين الله برأى نفسه.

- ١٢٨ - الرأي الثالث، هو العمل بالضعيف إذا لم يكن في الباب حديث صحيح أو حسن، وعزى ذلك القول إلى أبي داوود، وهو قول أحمد بن حنبل رضي الله عنه، ولكن ذلك إذا لم يكن ثمة فتوى صحابي، فإن فتوى الصحابي تقدم عليه، وسنقرر ذلك قريبًا.

ولقد شرط الحافظ ابن حجر ثلاثة شروط للأخذ بالضعيف عند من يأخذون، وتلك الشروط الثلاثة هي:

(١) أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكاذبين، والمتهمين بالكذب، ومن خشي غلطه، وقد قال بعض العلماء إن ذلك الشرط متفق عليه.

238