244

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

احتمال الصدق، وخصوصا أن للحديث أصلا ثابتا قد يبرر صدقه، أو يرجح جانبه (وثانيهما) أن يأخذ بالخبر الضعيف، وفى هذا حرج عليه؛ لأن الأخذ به قد يكون سببا في الحكم بصحة نسبته، وبذلك ينسب إلى الرسول قولا لم يثبت بطريق سليم كل السلامة، بل أثبته بطريق لا سلامة فيها أو فيها ما يعوق.

فاختار رضي الله عنه طريقا وسطا يجمع بين الابتعاد عن الرأي الذي يبغضه في الدين، وبين عدم إسناد القول إلى الرسول، اختار أن يعمل بموجب الحديث احتياطا لدينه، وأخذا بجانب احتمال الصدق، مع بقاء الصدق احتماليا، لا مرجح يرجحه، فهو يعمل بالحديث غير حاكم بصحة النسبة، ولذلك كان يقول في الحديث إنه ضعيف وانه مع ضعفه أحب عندي من الرأى.

وأن أحمد كان يبتعد عن الرأي بذلك، وأحيانا يدفعه تجنب الرأي، في أن يأخذ بفتاوى بعض الفقهاء السابقين الذين عرفوا بالاتباع دون الابتداع، كمالك والشافعي والثوري، وغيرهم من الفقهاء الذين أوتوا حظا كبيرا من علم الآثار، وربما كان يسلك ذلك المسلك إذا اجتهد برأيه، ولم تستقم بين يديه مقدمات تنتج حكما يستريح إليه، فكان يعتمد على اجتهاد علماء الأثر على النحو السابق، وكان ذلك كله احتياطا لدينه، وامتناعا عن أن يقول فيه بغير علم.

- ١٣٣ - وإذا كان أحمد يفضل الأخذ بالأخبار الضعيفة على النحو الذي قررنا على ألا يفتى برأيه فأولى ألا يأخذ بالرأي أو القياس في حال وجود حديث صحيح، وعلى ذلك نستطيع أن نقرر أن أحمد رضي الله عنه لا يقدم القياس على حديث قط، بل على خبر ضعيف، إذا لم يثبت أنه موضوع.

وهنا نجده يلتقي مع شيخه الشافعي، في أنه لا مجال للرأي مع الحديث، بل إنه يسير إلى مدى أوسع من شيخه؛ لأن شيخه لا يعترف بالحديث الضعيف على أي وجه من الاعتراف، فلا يأخذ به، ويقدمه على الرأي، وهذا يقدمه على القياس.

وأما أبو حنيفة ومالك فقد ثبت أنهما يقدمان أحيانا القياس على أخبار الآحاد فطريقتهما مباينة تمام التباين لطريقة أحمد وشيخه. ولطريقة أحمد بشكل خاص، وربما عرضنا لذلك ببعض التفصيل عند الكلام في القياس.

243