245

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

-٣- فتوى الصحابى

- ١٣٤ - تخرج كل إمام من الأئمة على طائفة من الفتاوى تكونت من دراستها ملكته الفقهية، وأحسن السير على مقتضاها، ونهج مثل مناهجها؛ فأبو حنيفة درس الفقه العراقي المنسوب لابن مسعود، وبعض المكي، وتخرج بوجه خاص على فقه إبراهيم النخعي، حتى لقد تشابهت طرائقهما في الاستنباط، وتلقى ذلك الفقه على شيخه حماد.

ومالك رضي الله عنه تخرج على فقه الفقهاء السبعة من التابعين، وتلقاه عمن تلقى عليهم، كابن شهاب وربيعة الرأي وغيرهما، وقد أحسن الاستنباط على مثل مناهجهم، إذ قد تكونت ملكته الفقهية على أساس فقههم، والشافعي رضي الله عنه تخرج على ابن عيينة في الحديث، ثم تخرج على فقه مالك، ووازنه بالفقه العراقي عندما التقى بمحمد بن الحسن، وأحسن الموازنة، وخرج على الناس بدراسة كلية مزج فروعها عقله الكبير الجامع، وكانت تلك الدراسة علم أصول الفقه الذي ضبط موازين الاستنباط، وجمع مقاييس الفقه.

أما أحمد بن حنبل، فكانت له مدرسة تجاوز بها الحقب، وعلا إلى عهد الرسول وعهد أصحابه، فتخرج في الفقه على المجموعة الفقهية التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أقضيته، والأحكام المأثورة عنه صلى الله عليه وسلم، ورويت عن أصحابه عليهم السلام في أقضيتهم وفتاويهم، سواء في ذلك ما رجعوا فيه إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما اجتهدوا فيه من آراء، فكانت تلك المجموعة التي رواها، والتي رحل إلى الأقطار الإسلامية في سبيل جمعها هي المدرسة الفقهية التي تخرج عليها، وتغذى منها غذاء صالحا بدا في كل استنباطه وتخريجاته الفقهية المختلفة، واستطاع بما تلقاه عن الشافعي من طرائق الاستنباط وضوابطه أن يستخرج من تلك المجموعة ويرتبها، كل في مرتبته من القوة، وأن يبني عليها ويخرج، حتى كان فقهه من مشكاتها كما

244