246

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

أشار إلى ذلك ابن القيم فيما نقلناه عنه آنفا عند الكلام في أصوله.

- ١٣٥ - وليست المجموعة الفقهية المأثورة عن الصحابة قدرا قليلا لا يخرج فقيها، إنما هي قدر كبير جاء في متنوع الأحداث ومختلف الأقاليم؛ فكانت جامعا كبيرا لأحكام جزئية، عالجت أشتاتا من الحوادث، لأناس تخالفت مشاربهم، وتباينت مسالكهم في الحياة، فمنها ما عالج أحداثا وقعت في العراق، ومنها ما عالج ثانية وقعت بمصر أو الشام، ومنها ما عالج أخرى وقعت في فارس وهكذا، فكانت ألوانا مختلفة من الغذاء الفكري، وأشكالا متنوعة من العلاج الاجتماعي.

وكان الصحابة مختلفين في قدر الفتيا، فمنهم من أكثر من الإفتاء، ومنهم من كان المأثور من فتواه قليلا، وأكثرهم فتوى عمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وزيد بن ثابت، وعائشة رضي الله عنهم أجمعين ((ولقد قال ابن حزم في هؤلاء الصحابة الستة. ويمكن أن يجمع فتاوى كل واحد من هؤلاء مجلد ضخم))

ويلي هؤلاء في الكثرة عشرون منهم أبو بكر، وعثمان، ومعاذ، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة والزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسلمان الفارسي وجابر، وأم سلمة، وغيرهم))

والسبب في كثرة الفتوى من الأولين أن بعضهم امتد به الزمن بعد وفاة الرسول صلوات الله وسلامه عليه وجدت أحداث كثيرة، فسئلوا عن أحكامها، فأفتوا بما فهموا من الكتاب، وبما سمعوا من الرسول، أو على ضوء هذين الأصلين الكبيرين، وعمر وعلي قد وليا أمر المسلمين فسئلا، فأفتيا، وقد نقل ابن سعد في طبقاته عن محمد بن عمر الأسلمي أنه قال: ((وإنما كثرت الفتوى عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، لأنهما وليا فسئلا، وقضيا بين الناس، وكل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا أئمة يقتدى بهم، ويحفظ عنهم ويستفتون فيفتون)).

١٣٦ - تخرج أحمد على تلك المجموعة الفقهية الأثرية التي كانت نوراً يهتدى به، وكانت قبسة نبوية من علم الرسول صلوات وسلامه عليه، ومن علم أصحابه؛ فكان يعض عليها بالنواجذ، يرجع إليها في كل ما يسأل عنه، ويستفتى فيه.

245