Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
ولذلك كانت أقوال الصحابة وفتاويهم حجة عنده، تلى حجية أحاديث الرسول الصحيحة، وتتقدم على المرسل من الأحاديث، والضعيف من الأخبار، وقد اتفق العلماء الذين نقلوا فقه على ذلك، ولم يختلفوا فيه، فكلهم مجمع على أنه كان يأخذ بفتوى الصحابة، ولا يجتهد برأيه ما وجد في موضوع الفتوى أثراً منقولاً عن صحابي.
١٣٧ - وإن فتاوى الصحابة كانت عنده درجتان.
(أولاهما) إذا لم يعرف خلاف بينهم في تلك الفتوى، أو وجد قولاً لأحدهم ولم يهده استقراؤه إلى قول آخر.
(وثانيهما) إذا اختلفوا فيما بينهم، ووجد قولان أو ثلاثة، كما كان في مسألة ميراث الأخوة الأشقاء، أو لأب مع أبى الأب، فإنهم اختلفوا في ذلك على أقوال، فأبو بكر اعتبر أبا الأب كالأب يحجب الأخوة، وزيد اعتبره كأخ بشرط ألا يقل عن الثلث، وعلى اعتبره كالأخ بشرط ألا يقل عن السدس، وهكذا.
أما في المرتبة الأولى، فإنه يأخذ بقول الصحابي، ولا يسمى ذلك إجماعاً خلافاً للحنفية، وقد وافق في ذلك الشافعي ومن أمثال ذلك أخذه برأي أنس في قبوله شهادة العبد، وقد نقل عنه الإمام أحمد أنه قال في ذلك: ((لا أعلم أحداً رد شهادة العبد)) فاعتبره أحمد قولاً واحداً لا يعلم خلافه.
وأما المرتبة الثانية، فإنه قد اختلف النقل عن أحمد فيها، فقيل إنه يعتبر أقوالهم جميعاً، وتعتبر تلك الأقوال أقوالاً له، فيكون في المسألة عنده قولان، أو ثلاثة على حسب اختلاف أقوال أولئك، وذلك لأنه يتحرج من أن يقدم برأيه بعض هذه الأقوال على بعض؛ إذ كلهم من رسول الله ملتمس نوراً وهداية، وهم الذين شاهدوا التنزيل، وعاينوا الرسول، وساعة مع الرسول خير من اجتهاد سنين. ولقد ذكر ابن القيم رواية أخرى، فقال: ((من أصوله (أي أحمد) أنه إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها، ولم يجزم بقول،
246