248

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ في مسائله، قيل لأبي عبد الله يكون الرجل في قومه، فيسأل عن الشيء فيه اختلاف، قال يفتي بما وافق الكتاب والسنة، وما لم يوافق الكتاب والسنة أمسك عنه)) (١)

ووجهة هذه الرواية واضحة، لأن الكتاب والسنة هما أصل الإسلام، ولا يمكن أن تكون الأقوال كلها درجة واحدة في قربها من النصوص، أو ملاءمتها لموضوع الفتوى، فلابد أن يتخير من بينها قولًا يكون أنسب وأوفق للمسألة التي يستفتي فيها، أو يكون أقرب إلى النصوص.

وهذه الرواية تتفق مع المنصوص عليه في رسالة الشافعي رضي الله عنه، فإنه كان يتخير من أقوال الصحابة ما يجده أقرب إلى النصوص، كما اختار من أقوال الصحابة في مسألة ميراث الإخوة على الجد الصحيح قول زيد ورجحه بالقياس الفقهي، وقرر أنه لولا الأقوال المأثورة لكان يقتضي القياس أن يحجب الإخوة الجد.

وأبو حنيفة كان يسلك مثل ذلك المسلك فكان يتخير من أقوال الصحابة إن اختلفوا، وكان لا يخرج عن أقوالهم إلى غيرها، ولكنه يأخذ بما شاء، ويدع ما شاء.

١٣٨ - وهناك رواية ثالثة عن أحمد، وهي أنه إذا اختلف الصحابة لا يتخير من أول الأمر من بين الأقوال أقربها إلى النصوص، بل يرجح أولًا أقوال الخلفاء، وقد روى هذه الرواية أيضًا ابن القيم في موضع آخر من كتابه إعلام الموقعين، فقد جاء فيه ما نصه:

((إذا قال الصحابي قولًا، فأما أن يخالفه صحابي آخر، أو لا يخالفه، فإن خالفه مثله لم يكن قول أحدهما حجة على الآخر. وإن خالفه أعلم منه، كما إذا خالف الخلفاء الراشدون أو بعضهم غيرهم من الصحابة في حكم، فهل يكون الشق الذي فيه الخلفاء الراشدون أو بعضهم حجة على الآخرين، فيه قولان للعلماء، وهما روايتان

(١) إعلام الموقعين ج١ ص٢٥

247