Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
عن الإمام أحمد ، والصحيح أن الشق الذي فيه الخلفاء، أو بعضهم أرجح، وأولى أن يؤخذ به من الشق الآخر، فإن كان الأربعة في شق، فلا شك أنه الصواب، وإن كان أكثرهم في شق، فالصواب فيه أغلب، وإن كانوا اثنين فشق أبي بكر وعمر أقرب إلى الصواب، فإن اختلف أبو بكر وعمر، فالصواب مع أبي بكر. وهذه جملة لا يعرف تفصيلها إلا من له خبرة، واطلاع على ما اختلف فيه الصحابة، وعلى الراجح من أقوالهم))(١)
وترى من هذا أن ابن القيم يذكر رواية ثالثة لأحمد عند اختلاف الصحابة وهي أنه يقدم الأقوال لأجل أصحابها إذا كانوا الخلفاء الراشدين، فيقدم أقوال الخلفاء على غيرهم، ثم يتخير بالقرب من الكتاب والسنة إذا لم يكن قول للخلفاء.
وتقديمه أقوال الخلفاء على هذه الرواية له وجهه؛ لأن قول الخلفاء قد صادف عملاً ارتضاه جمهور المسلمين وقبلوه، بل آثروه؛ لأنه لو كان مخالفاً لكتاب الله وسنة رسوله، أو كان غيره أقرب منها، لقوموا آراء الخليفة ونهوه، وله من دينه وقوة عقله، وهدايته ما يجعله يستسيغ رأي مخالفه، إن ثبت له أنه أقرب إلى الدين وكتاب الله وسنة رسوله ومصلحة المصلحين والدارس لحياة الخلفاء الأولين، وخصوصاً أبا بكر وعمر، يرى أن رأيهما كان مزكى في أكثر الأحوال: بموافقة جمهور المؤمنين، فهو رأي يقارب الإجماع، فكان تقديمه له وجهة قوية.
١٣٩- ويظهر أن أحمد رضي الله عنه كان إذا وجد آراء للخلفاء الراشدين أو لبعضهم اختارها دون غيرها، وإن لم يجد اختار أقرب الآراء إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وإن لم يبد له وجه من القرب ترك الأمر، وتوقف، أو كان له في الموضوع قولان، فجاء الذين من بعده فوجدوا هذه الأحوال، وروى بعضهم الفتوى التي اختار فيها قول الخلفاء، وجاء راو آخر فلم يرو إلا واقعة التخيير بالقرب من الأصول، وجاء ثالث، فروى واقعة ترك الأقوال جملة، ونسبتها كلها إليه، فكل رواية صادقة، لأنها روت واقعة صحيحة، ومن مجموع هذه الروايات، وهذه
(١) إعلام الموقعين ج ٤ ص ١٠٤
248