Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
الوقائع يستبين رأيه، وهو الذي قلنا إنه الذي يظهر لنا، وهو الترجيح أولًا بقائل القول، ثم بدليله، ثم ترك الأقوال بعددها.
١٤٠ - ومرتبة الأخذ بفتوى الصحابي في ترتيب الأدلة هي بعد النصوص الثابتة، وهي القرآن والأحاديث الصحيحة، ولقد ادعى بعض العلماء أن أحمد كان إذا وجد فتوى الصحابي لا يلتفت إلى النصوص ولا يتجه إليها؛ لأن فتوى الصحابي أغنته عن الاستنباط، أي أنه لا يجتهد إلا حيث لا يجد فتوى الصحابي، ولقد رد ذلك الزعم ابن القيم وأثبت أن أحمد كان يقدم النص على فتوى الصحابي رضي الله عنه، وقال:
((كان الإمام أحمد إذا وجد النص أفتى بموجبه، ولم يلتفت إلى ما خالفه، ولا من خالفه كائنًا من كان، ولذلك لم يلتفت إلى خلاف عمر رضي الله عنه في المبتوتة لحديث فاطمة بنت قيس (١)، ولا إلى خلافه في التيمم للجنب لحديث عمار ابن ياسر (٢)....ولم يلتفت إلى قول ابن عباس، وإحدى الروايتين عن علي رضي الله عنهم أن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أقصى الأجلين، لصحة حديث سبيعة الأسلمية (٣) ولم يلتفت إلى قول معاذ ومعاوية في توريث المسلم من الكافر لصحة الحديث المانع عن التوارث بينهما، ولم يلتفت إلى قول ابن عباس في الصرف لصحة
(١) رأى عمر رضي الله عنه أن المعتدة من طلاق، ولو كان ثلاثًا لها النفقة؛ لقوله تعالى في سورة الطلاق ((لينفق ذو سعة من سعته....)) وروت فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثًا، فلم يجعل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم سكنى ولا نفقة، ولما روت ذلك لعمر. قال: ((لا نترك كتاب وسنة نبينا لقول امرأة لا تدري لعلها حفظت أو نسيت)، فأخذ أحمد بحديث فاطمة وترك فتوى عمر.
(٢) رأى عمر أن التيمم يكون بضربتين إحداهما الوجه، والثانية يمسح بها اليدين إلى المرفقين، وروى عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أن التيمم يكون بضربة يمسح بها وجهه وكفيه، فأخذ أحمد بالحديث ولم يشترط الضربتين، ولم يشترط المسح إلى المرفقين.
(٣) عدة المتوفى عنها زوجها الحامل أبعد الأجلين الوضع أو أربعة أشهر وعشر وذلك عند ابن عباس وعلي، وهذا خلاف الذي روته سبيعة الأسلمية، فإنها ذكرت أنها وضعت بعد وفاة زوجها بليال. فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاستأذنته أن تنكح، فأذن لها، وبذلك أخذ أحمد رضي الله عنه.
249