Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
الحديث بخلافه (١) ولا إلى قوله في إباحة لحوم الحمر كذلك، (٢) وهذا كثير جداً،
وترى من هذا أن أحمد رضي الله عنه كان يأخذ بالحديث مع وجود فتوى الصحابي؛ لأنه لم يكن يقدمها على الحديث، وهنا نلاحظ أن فتوى عمر بأن المبتوتة لها النفقة والسكنى أخذها من القرآن الكريم، وهي صريح قوله تعالى: في المطلقات ((اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم...)) وقوله تعالى فيهن أيضاً: ((لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه، فلينفق مما آتاه الله))، فإن هذا يشمل المطلقات جميعاً، سواء فيهن المبتوتة ثلاثاً، والبائنة بما دون ذلك، والمطلقة طلاقاً رجعياً، وبذلك العموم استدل عمر رضي الله عنه، ولكن أحمد يجعل السنة دائماً هي مفسرة القرآن حيث تلاقيا في موضوع واحد، فيحمل القرآن على بيان السنة، وبذلك تكون الآيات غير شاملة للمبتوتة؛ ويكون عموم اللفظ القرآني الكريم أريد به الخاص، وفي الآية ما قد يفهم منه أن المبتوتة بالثلاث لا تدخل، لأن قال بعد قوله تعالى،((يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن...))... ((لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً))، والمبتوتة بالثلاث لا رجاء لها في العودة، بل وضع الشارع العقبات في سبيل هذه العودة، ولذلك ردت فاطمة بنت قيس عمر قائلة: بيني وبينكم كتاب الله وتلت آيات الله إلى قوله تعالى: ((لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً)) ثم قالت: ((فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟))
فكان الحديث معيناً ذلك المعنى عند أحمد رضي الله عنه، وبذلك يسير أحمد على مقتضى مسلكه، وهو أن السنة مفسرة للقرآن، وهي هنا كذلك، فكان بين يديه تفسيران للقرآن الكريم، تفسير عمر رضي الله عنه، وهو وجوب النفقة للمبتوتة، والثاني تفسير النبي صلى الله عليه وسلم، فاختار رضي الله عنه تفسير النبي صلى الله عليه وسلم، كما هو شأنه دائماً.
(١) مذهب ابن عباس إنكار الربا في غير النسيئة، وكان يقول إنما الربا النسيئة، ولكن روي حديث ربا الفضل الذهب بالذهب مثلاً بمثل إلى آخره، وهذا هو مذهب أحمد.
(٢) لنهي النبي عن أكلها كما روي في الصحيحين.
250