252

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

١١١ - قد بينا في الكلام السابق أن أحمد رضي الله عنه يأخذ بفتاوى الصحابة، ويؤخرها في الاستدلال عن الحديث الصحيح، ويقدمها على المرسل، والضعيف.

ويجب أن يلاحظ أن المرسل الذي تتقدم عليه فتوى الصحابي هو الذي يرسله التابعي، ومن دونه، أما الذي يرسله الصحابي، كان يروي أحد الصحابة حديثًا وثبت، أن ذلك الصحابي لم يكن مدركًا للنبي ﷺ في الوقت الذي كان قول الرسول فيه أو فعله، فإن ذلك يكون مرسلاً من الصحابي، ويفرض لا محالة أنه رواه عن صحابي آخر، وهذا النوع من الإرسال يكون في قوة الحديث الصحيح، المتصل كما اتفق على ذلك علماء الحديث، وعلى ذلك لا تقدم عليه فتوى الصحابي كسائر المرسلات، وتعليل ذلك واضح جدًا؛ لأن فتوى الصحابي قول للصحابي نفسه تقدم على غيرها لمشاهدته لرسول الله ﷺ وصحبته، ومعاينته التنزيل، فإذا جاء صحابي آخر له مثل منزلة الأول من حيث الصحبة، وأسند قولًا أو فتوى إلى النبي ﷺ، فإن قول النبي أوثق، وما كان قبول فتوى الصحابي إلا لأنها من السنة أو مقتبسة من السنة، فلا تقدم على السنة التي يكون راويها له مثل منزلة الصحابي المفتي، وهذا منطق حسن قويم.

١٤٢ - وإذا كان أحمد رضي الله عنه يعتبر فتوى الصحابي مصدرًا من مصادر الفقه، ويأخذ بها، فعلى أي وجه كان مأخذه؟ أيأخذ بها على أنها من السنة، أم يأخذ بها على أنها اجتهاد من الصحابة، ولكن اجتهادهم أولى بالأخذ من اجتهاده؟ لقد وجدنا الفقهاء الأربعة ذوي المذاهب المنشورة في البلاد الإسلامية يأخذون جميعًا بفتوى الصحابي، ولكن يختلفون في طريق الأخذ، فالشافعي كما يصرح في الرسالة يأخذ بفتواهم على أنها اجتهاد منهم، واجتهادهم أولى من اجتهاده، ووجدنا مالكًا رضي الله عنه يأخذ بفتواهم على أنها من السنة، ويوازن بينها وبين الأخبار المروية، إن تعارض الخبر مع فتوى صحابي، بخلاف الشافعي، فإنه لا يلتفت إلى فتوى الصحابي، إذا وجد خبرًا عن النبي ﷺ، وكان ذلك من أسباب مخالفته

251