Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
لمالك في كثير من الفروع، وسمى طريقة مالك من قبيل جعل الفرع أصلاً.
واختلف علماء التخريج عن حقيقة نظر أبي حنيفة، فأبو سعيد البراذعي اعتبر الأخذ بفتوى الصحابي من قبيل ترجيح أبي حنيفة اجتهادهم على اجتهاده، وأخذ ذلك من عبارات أبي حنيفة، ومسلكه في فتوى الصحابي، وأبو الحسن الكرخي اعتبر الأخذ بفتوى الصحابي من قبيل الأخذ بالحديث والسنة، ولذلك لا يأخذ بها إلا فيما لا يدرك بالقياس، كالمواقيت ونحوها، مما شأنه النقل، فيتبع الصحابي في هذه الحال على أن قوله نقل لا رأى.
ومن أي القبيلين أحمد بن حنبل؟ أكان كشيخه الشافعي، أم كان كإمام دار الهجرة مالك؟ لقد وجدناه يقدم الحديث الصحيح بإطلاق على فتوى الصحابي ولا يوازن بينهما كمالك، كما وجدناه يأخذ بكل فتاوى الصحابة من غير تفرقة بين ما يكون طريقه التوقف، وما يحتمل أن يكون طريقه الاجتهاد، ووجدناه يقدم فتوى الصحابي على الحديث المرسل، والحديث الضعيف على التفسير الذي فسرنا به الضعف عنده.
وعندي أننا لا نستطيع أن نقول إن أحمد كان يعتبر كل فتاوى الصحابة من قبيل النقل، ونستطيع أن نقرر أنه كان يأخذ بأقوالهم على أنها المرجع الثاني لفهم الدين والشرع الإسلامي، بعد أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، لأنهم أقرب إلى الرسول وقد عاينوا، وشاهدوا، وأثنى الله عليهم، وعلى من اتبعهم بإحسان، إلى يوم الدين، فأقوالهم تقبل، فإن كان طريقها التوقف لا محالة، فهي أثر، وإن كان للرأي فيها مجال، فهو رأي مقتبس من هدى النبي صلى الله عليه، لصحبتهم له عليه السلام، وتلقيهم هديه، وإدراكهم لمرامي التنزيل، فاتباعهم سنة، وإن لم تكن كل أقوالهم أحاديث، أو في قوة الأحاديث.
١٤٣- ولقد حرر هذا المعنى ابن القيم، مبيناً أن آراءهم أقرب إلى السنة والكتاب، فقال:
((إن الصحابي إذا قال قولاً، أو حكم بحكم، أو أفتى بفتيا، فله مدارك ينفرد
252