254

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

بها عنا ، ومدارك نشاركه فيها ، فأما ما يختص به ، فيجوز أن يكون سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم شفاها، أو من صحابي آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من أن يحاط به ، فلم يرو كل منهم كل ما سمع وأين ما سمعه الصديق رضي الله عنه، والفاروق ، وغيرهما من ، كبار الصحابة إلى ما رووه، فلم يرو عن صديق الأمة مائة حديث ، وهو لم يغب عن النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من مشاهده ، بل صحبه من حين بعث ، بل قبل البعث إلى أن توفي وكان أعلم الأمة به صلى الله عليه وسلم، وبقوله وفعله ، وهديه وسيرته وكذلك أجلة الصحابة ، روايتهم قليلة جداً بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم ، وشاهدوه ، ولو رووا كل ما سمعوه، وشاهدوه لزاد على رواية أبي هريرة أضعافاً مضاعفة، فإنما صحبه نحو أربع سنين ، وقد روى عنه الكثير ، فقول القائل لو كان عند الصحابي في هذه الواقعة شيء - قول من لم يعرف سيرة القوم وأحوالهم ، فإنهم كانوا يهابون الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعظمونها ، ويقللونها خوف الزيادة والنقص ويحدثون بالشيء الذي سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم مراراً، ولا يصرحون بالسماع، ولا يقولون ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فتلك الفتوى التي يفتى بها أحدهم لا تخرج عن ستة وجوه :

(أحدها) أن يكون سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم.

(الثاني) أن يكون سمعها من سمعها.

(الثالث) أن يكون فهمها من آية من كتاب الله فهماً خفي علينا.

(الرابع) أن يكون قد اتفق عليه ملؤهم ، ولم ينقل إلينا إلا قول المفتي بها وحده.

(الخامس) أن يكون لكمال علمه باللغة ، ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به عنا ، أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب، أو لمجموع أمور فهمها على طول الزمان من رؤية النبي صلى الله عليه، ومشاهدة أفعاله وأحواله ، وسيرته وسماع كلامه، والعلم بمقاصده، وشهود تنزيل الوحي، ومشاهدة تأويله بالفعل، فيكون فهم ما لا نفهمه

253