Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
الفضيلة وارتفاع الدرجة، وعظمة الشأن، وهذا مسلم لا شك فيه.... ولا تلازم بين هذا وبين جعل كل واحد منهم بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجية قوله، وإلزام الناس باتباعه، فإن ذلك مما لم يأذن الله به، ولا ثبت عنه فيه حرف واحد، وأما ما تمسك به بعض القائلين بحجية قول الصحابي مما روي عنه هذا صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)) فهذا ما لم يثبت قط، والكلام فيه معروف عند أهل هذا الشأن بحيث لا يصح العمل بمثله في أدنى حكم من أحكام الشرع، فكيف مثل هذا الأمر العظيم، والخطب الجليل، على أنه لو ثبت من وجه صحيح لكان معناه أن مزيد عملهم بهذه الشريعة المطهرة الثابتة من الكتاب والسنة، وحرصهم على اتباعها، ومشيهم على طريقتها يقتضي أن اقتداء الغير بهم في العمل بها واتباعها هداية كاملة، لأنه لو قيل لأحدهم لم قلت كذا؟ لم فعلت كذا؟ لم يعجز عن إبراز الحجة من الكتاب والسنة، ولم يتلعثم في بيان ذلك، وعلى مثل هذا الحمل يحمل ما صح عنه صلى الله عليه وسلم وآله من قوله: ((اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر، وما صح عنه من قوله صلى الله عليه وسلم ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي)) فأعرف هذا، واحرص عليه، فإن الله لم يجعل إليك وإلى سائر هذه الأمة رسولا إلا محمدا صلى الله عليه وسلم، ولم يأمرك باتباع غيره، ولا شرع لك على لسان سواه من أمته حرفا واحدا، ولا جعل شيئا من الحجة عليك في قول غيره كائنا من كان)) (١)
- ١٤٥ - وهكذا نرى الشوكاني يدفعه فرط المغالاة في الابتعاد عن التقليد، والتشدد في الاعتماد على الكتاب والسنة إلى رفض الأخذ بفتاوى الصحابة حاسبا أن ذلك تزيد في الدين، والفقه الإسلامي؛ لأن الله لم يبعث لهذه الأمة إلا نبيا واحدا. وما كان الذين أخذوا بأقوال الصحابة وفتاويهم، واقتبسوا منها إلا مستمسكين أشد الاستمساك بأن النبي واحد، والسنة واحدة، والكتاب واحد؛ لكن وجدوا أن هؤلاء الصحابة هم الذين استحفظوا على كتاب الله سبحانه وتعالى، ونقلوا أقوال
(١) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق في علم الأصول ص ٢١٤
255