258

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

إن جمهور الفقهاء، وإن كانوا يصرحون بأنهم لا يأخذون بفتاوى التابعين باعتبارها أصلا يرجع إليه قد يأخذون بفتاوى بعض كبار التابعين، فأبو حنيفة كان يأخذ أحيانا بقول ابراهيم النخعي من غير أن يعتبر أقوال التابعين أصلا من أصول الاستنباط، بل صرح بأنهم رجال، له أن يجتهد كما اجتهدوا، ومالك رضي الله عنه كان يأخذ أحيانا بقول سعيد بن المسيب ويزيد بن أسلم، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، والشافعي رضي الله عنه كان يأخذ أحيانا بقول عطاء.

ويظهر أن هؤلاء كان يستقيم عندهم الدليل المنتج للرأي، ويجدون رأي بعض كبار التابعين المشهود لهم بالفقه والعلم والتقى فيستأنسون به، ويسندون القول إليهم باعتبارهم قد سبقوا به، وإن كان المجتهد قد وصل إليه بمثل دليلهم من غير اتباع لهم، ولا اعتماد مطلق على قولهم.

هذه نظرة الأئمة الثلاثة الذين سبقوا أحمد، وتتلمذ لثالثهم، أما أحمد، فإن الروايات قد اختلفت عنه في الاحتجاج برأيه، فرواية تقول يحتج به، ورواية تقول لا يحتج به، وفقه التابعي كتفسيره، وكأنه عن أحمد روايتان في فتاوى التابعي إحداهما تعتبرها حجة يجب الأخذ بها والثانية لا يلزم الأخذ بها، وموضع ذلك بلا شك إذا لم يكن في الموضوع نص ولا فتوى صحابي، ولا حديث مرسل، أو غيره مما يكون حجة عند أحمد بالاتفاق، أما عند وجود واحد من هذه الأصول في الموضوع، فإنه لا يؤخذ بفتوى التابعي من غير اختلاف.

والذين قالوا إنه حجة من الحنابلة اختلفوا في تقديمه على القياس، ففريق قدمه على القياس؛ لأن القياس لا يلجأ إليه إلا عند الضرورة، ولا ضرورة، وفي الموضوع فتوى تابعي، وفتوى التابعي المعروف بالفضل والتقى تعتبر في هذه الحال أثرا أسلفيا. فيقدم على الرأي الفقهي، وفريق قدم القياس عليه؛ لأنه دليل معتبر لا دليل يعارضه، أما إذا خالفه القياس فقد وجد دليل شرعي مقرر سلك طريقه السلف الصالح وأذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم فيه، والقياس في جملته حمل على النص، والنص مقدم على قول التابعي، وما فيه حمل عليه يقدم عليها.

م ــ ـ ١٧

257