Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
٤- الإجماع
١٤٨ - وجدنا ابن القيم لم يعد في أصول الفقه الحنبلي الإجماع؛ فلم يذكره في سردها كما نقلنا، ووجدنا الرواة ينقلون عنه أنه قال: "من ادعى وجود الإجماع فهو كاذب"، ونقل عنه أنه قرر أن الإجماع على فرض وجوده فلا مطمع في العلم به، وهكذا كثرت التقول عنه، إما بنفي وجوده مطلقاً، أو بنفي العلم به، أو بنفي وجوده في غير الصحابة.
ومن الحق أن نقرر حقيقة رأيه في الإجماع من حيث وجوده، ومن حيث حجيته، ومن حيث مرتبته في الاحتجاج، ولسنا نخوض في كلام الأصوليين في الإجماع، فإنهم اختلفوا في مسائله الكلية والجزئية اختلافاً طويلاً، وموضع بيانها علم الأصول.
١٤٩ - وإذا اتجهنا إلى تعرف حقيقة الإجماع، فإننا نتجه إلى بيان حقيقته التي تلقاها عن شيوخه الذين تصدوا لهذه المسائل، ولا نجد أحداً ممن تلقى عليهم تصدى لمسائل الأصول سوى شيخه الشافعي، فلنعرف حقيقة الإجماع، كما جاءت على لسان الشافعي، وكما جاءت في كتبه.
يذكر الشافعي حقيقة الإجماع، فيقول في كتاب إبطال الاستحسان: "لست أقول ولا أحد من أهل العلم هذا مجتمع عليه، إلا لما تلقى عالماً أبداً. إلا قاله لك، وحكاه عمن قبله، كالظهر أربع، وكتحريم الخمر، وما أشبه ذلك".
ولا شك أن هذا هو الإجماع الذي حكم أحمد بعدم وجوده، أو استبعد وجوده، أو شدد عند الاستنباط والاحتجاج به في تحقق وجوده، كما يرجح الحنابلة وكما هو المعقول في ذاته، فما كان أحمد ممن يناقشون في المسائل مناقشة مجردة، بأن يتحرى حقائق الأشياء، ويناقش إمكان ثبوتها، أو عدم إمكانه، وينظر في ذلك نظراً مجرداً من غير أن تكون بين يديه فتوى يريد استخراج الحكم فيها، أو ترجيح دليل فيها؛ فيضطره إلى ذلك النظر؛ حاجة مست إليه.
259