261

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

ولقد وجدنا الحنابلة يعرفون الاجماع بمثل ذلك التعريف، فوجدنا ابن تيمية يعرفه بقوله: ((معنى الاجماع أن يجتمع علماء المسلمين على حكم من الأحكام، وإذا ثبت اجماع الأمة على حكم من الأحكام، لم يكن لأحد أن يخرج عن اجماعهم، فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولكن كثيرا من المسائل يظن بعض الناس فيها اجماعا، ولا يكون الأمر كذلك، بل يكون القول الآخر أرجح)) (١).

١٥٠- والاجماع بهذا المعنى قد تحقق في أمور دينية في الاسلام كالاجماع على عدد الصلوات وأوقاتها، والصوم وحدوده، وبعض مفطراته، والديات في الجملة وبعض الحدود، والقصاص، وهكذا تجد الصحابة قد أجمعوا على ذلك، وأجمع من بعدهم عليها، حتى صارت هذه المسائل المجمع عليها مما علم من الدين بالضرورة، ولكن الحجية فيها لم تكن الاجماع وحده، بل كانت الحجية النصوص المثبتة، وانعقد الاجماع على صحة هذه النصوص، وسلامة الاستدلال بها، على ما انتهى الأمر إليه.

ولكن وجد من العلماء في عصر الاجتهاد في عصر أبي حنيفة ومالك، والأوزاعي، وأبي يوسف، وغيرهم من احتج يقول عامة العلماء، أو بالاجماع في أمور لم ينعقد فيها اجماع، فوجدنا مثلا أن أبا يوسف في كتابه الرد على سير الأوزاعي يختلف معه في انعقاد الإجماع في مسألة السهم للفرسين: وإليك النص، كما جاء في هذا الكتاب:

((قال أبو حنيفة رضي الله عنه في الرجل يكون معه فرسان. لا يسهم إلا لواحد وقال الأوزاعي: يسهم للفرسين، ولا يسهم لأكثر من ذلك، وعلى ذلك أهل العلم، وبه عملت الأئمة. قال أبو يوسف لم يبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من أصحابه أنه أسهم للفرسين، إلا حديث واحد، وكان الواحد عندنا شاذاً لا نأخذ به، وأما قوله بذلك عملت الأئمة، وعليه أهل العلم، فهذا مثل قول أهل الحجاز، وبذلك مضت السنة، وليس يقبل هذا، ولا يحمل هذا عن الجهال،

(١) فتاوى ابن تيمية - ١ ص ٤٠٦

260