Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
إلى قول إن أبا ليلى يذمون مذاهب أبي يوسف، وآخرين يميلون إلى قول أبي يوسف يذمون مذاهب ابن أبي ليلى، وما خالف أبا يوسف، وآخرين يميلون إلى قول الثوري وآخرين إلى قول الحسن بن صالح))
((وبلغني غير ما وصفت شبيه بما رأيت مما وصفت من تفرق أهل البلدان، ورأيت المكيين يذهبون إلى تقديم عطاء في العلم على التابعين، وبعض المباينين يذهبون إلى تقديم إبراهيم النخعي، ثم لعل كل صنف من هؤلاء، قدم صاحبه أن يسرف في المباينة بينه، وبين من قدموا من أهل البلدان، وهكذا رأيناهم فيمن نصبوا من العلماء الذين أدركنا.
((فإذا كان أهل الأمصار يختلفون هذا الاختلاف، فسمعت بعض من يفتى منهم يحلف بالله، ما كان لفلان أن يفتى لنقص عقله وجهالته، وما كان يحل لفلان أن يسكت ويفتى آخر من أهل العلم، ورأيت من أهل البلدان ما كان يحل له أن يفتى لجهالته، يعني الذي زعم غيره أنه لا يحل له أن يسكت لفضل علمه وعقله، ثم وجدت أهل كل بلد كما وصفت فيما بينهم من أهل زمانهم، فأين اجتمع هؤلاء على تفقه واحد، وتفقه عام، وكما وصفت رأيهم أو رأي أكثرهم، وبلغني عمن غاب منهم شبيه بهذا))
وتراه في هذا يبين مسافة الخلف بين فقهاء البلد الواحد، حتى لا يمكن أن ينصب من بينهم فقهاء معترف بهم من الجميع، ومسافة الخلف بين فقهاء البلاد المختلفة فلا يمكن معها أن يجمعوا على فقه واحد عام، أو رأي واحد عام في مسألة.
ثم يثير بعد ذلك نظراً آخر، وهو أصناف العلماء الذين ينعقد بهم الإجماع، أمنهم علماء الكلام أم ليسوا منهم، وهكذا يثير حاجة قوية في بيان من هم العلماء الذين يتألف منهم الإجماع، حتى يصعب على الناظر، بل على الفقيه أن يميزهم بعلامات واضحة بينة، ولقد اضطر مناظره لذلك أن يسأله (هل من إجماع؟) فيجيبه الشافعي: نعم بحمد الله كثير في جلة الفرائض التي لا يسع أحدا جهلها، فذلك الإجماع هو الذي لو قلت فيه أجمع الناس لم تجد حولك أحدا يقول لك: ليس هذا بإجماع، فهذا الطريق التي يصدق بها من ادعى الإجماع فيها، وفي أشياء من أصول العلم دون فروعه
262