265

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

جاء أحمد، فوجد تلك الدعاوى وبطلانها، ودرس على شيخه الشافعي ذلك النظر القويم، وقد كان معجبًا بعقله العلي أيما إعجاب، حتى كان حريصًا على أن يستمع إلى عقله القوي عندما التقى به أول لقاء في مكة؛ لذلك نحن نرجح أنه كان يستبعد وجود الإجماع في غير الأمور المعلومة من الدين بالضرورة؛ ولحرصه على ألا يقول على العلماء ما لم يقولوا، أو يدعي ما لا يصح - كان إذا احتج بمسألة لم يعرف فيها خلافًا لا يقول إنها من المجمع عليه، بل يقول لا أعلم فيه مخالفًا تورعًا عن ادعاء لا تتوافر فيه أسباب الدعوى وأسانيدها، ولأنه يعلم أن العلم بالإجماع أمر مستبعد، أو لا يمكن في غير أصول الفرائض، على ما قال الشافعي، أو ما علم من الدين بضرورة، ولا يسع أحدًا إنكاره.

ولقد ذكر ابن القيم أن أحمد رضي الله عنه كان ينكر دعوى الإجماع من غير حجة، ويحكم بأنه في ذلك كالشافعي، فيقول في ذلك:

(( قد كذب أحمد من ادعى الإجماع، ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت، وكذلك الشافعي أيضًا في رسالته الجديدة على أن ما لا يعلم فيه خلافًا لا يقال له إجماع وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول ما يدعي فيه الرجل الإجماع فهو كذب، من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا ما يدريه، ولم ينته إليه، فليقل لا نعلم الناس اختلفوا. ونصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف، ولو ساغ لتعطلت النصوص، وساغ لكل من لم يعلم مخالفًا في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص، فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع)).

- ١٥٣- ونرى من هذا أن أحمد وشيخه يسيران على منهاج واحد هو المنهاج الذي سنه الشافعي، ويقرر أن الإجماع حجة، ولكن لا يقبله من يدعيه، ويقدمه على النصوص لمجرد تلك الدعوى، وكلاهما يرى أن المسائل التي لا يعلم فيها خلاف يكتفي بذكر أنه لا يعلم فيها خلافًا، وكون العالم تقع بين يديه مسائل لا يعلم فيها خلافًا بين

264