Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
العلماء في جيل من الأجيال أمر مقرر ثابت، ومن حقه، بل من الواجب عليه أن يقبل هذه المسائل، ولا يقر غيرها، لكيلا يكون غريبًا في تفكيره عن علماء جيله، أو عن علماء جيل سابق له، وهو أفضل من جيله، ولكن إذا وجد حديثًا يخالف ذلك أخذ به، ولم يلتفت إلى غيره؛ لأنه إذا كان يأخذ بقول العلماء الذي لا يعلم مخالفًا من الناس، وله أن يرفضه إذا وجد له مخالفًا من العلماء، فأولى أن يرفضه، بل يجب عليه أن يرفضه إذا خالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن قوله هو البيان الذي ليس بعده بيان.
- ١٥٤ - وننتهي من هذا إلى أمرين: (أولهما) أن أحمد رضي الله عنه لا ينفي وجود الإجماع نفيًا مطلقًا في كل مسائل العلم، بل ينفيه في الدعاوى التي كان يدعيها بعض العلماء في جيله، كما نفاه أبو يوسف في دعوى الأوزاعي أن رأيه عليه عامة أهل العلم، وكما كان ينفيه الشافعي في وجه من يناظره، ويحتج بالإجماع ليرد الحديث الصحيح.
(ثانيهما) أن أحمد رضي الله عنه كان يقرر أن هناك مسائل لا يعلم فيها مخالفًا، وأن مثل هذه المسائل يأخذ بها إذا لم يجد حديثًا في موضعها، ولا يدعي أن ذلك إجماع كامل، بل يقول إنه لا يعلم مخالفًا، وذلك ورع في الدين، فوق أنه هو الحق المبين على ما وضحنا، فيما نقلنا لك عن الشافعي رضي الله عنه.
- ١٥٥ - وإذا كان أحمد رضي الله عنه لم ينف وجود الإجماع نفيًا مطلقًا، وأنه كان ينفي دعواه في المسائل الجزئية بعد توافر الدليل عليها، فليس ذلك لإنكار عقل لوجوده، كما قال النظام وبعض الشيعة، وغيرهم، بل إن أحمد عندما كان يتكلم في الإجماع ما كان الكلام يتجه به نحو الوجود، بل كان يتجه نحو العلم به، ولذلك كان يقول: ((لا أعلم مخالفًا، وهذا اللفظ كما أنه لا ينفي وجود المخالف، كذلك لا يثبت وجود المخالف، فالقضية عنده قضية علم، لا قضية وجود؛ لأن النظر في الوجود إمكانًا واستحالة نظر عقلي فلسفي، وقد خاض فيه الشافعي بنظراته الاجتماعية الفلسفية، أما أحمد فقد كان ينظر إلى الوقائع، والفتاوى فيها، من غير نظر فلسفى،
265