Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
ولذلك كان يكتفى من القول فى المسائل التى لا يعلم فيها مخالفا بذلك فقط، ويكذب من يدعى الإجماع لعدم العلم بالمخالف، ولقد جاء فى كتاب المدخل فى فقه الامام أحمد بن حنبل ما نصه:
((لا يتوهمن متوهم أن الإمام أحمد أنكر الإجماع إنكارا عقليا، وإنما أنكر العلم بالإجماع على حادثة واحدة انتشرت فى جميع الأقطار، وبلغت الأطراف الشاسعة ووقف عليها كل مجتهد، ثم أطبق الجميع على قول واحد، وبلغت أقوالهم كلها مدعى الإجماع عليها، وأنت خبير بأن العادة لا تساعد على هذا، كما يعلمه كل منصف تخلى عن الجمود والتقليد، نعم يمكن أن يعلم هذا فى عصر الصحابة دون ما بعدهم، لقلة المجتهدين يومئذ، وتوافر المحدثين على نقل فتاواهم، وآرائهم، فلا تتهمن أيها العاقل الامام بإنكار الإجماع مطلقا، فتفترى عليه))(١).
- ١٥٦ - وترى من هذا الكلام أن أحمد رضى الله عنه لم يكن نظره متجها فى رد دعوى الإجماع إلى ذات الوقوع، إنما إلى العلم، والعبارة تشير إلى استبعاد الوقوع فى الجملة، وإن لم يكن ذلك مما يعنى به أحمد رضى الله عنه.
وإذا كان الرد بسبب عدم العلم، فإذا توافرت أسباب العلم، فإنه لا يتأتى الرد والإنكار ولا يكون ذلك إلا فى عصر الصحابة؛ لأن العلماء من الصحابة كانوا فى عهد أبى بكر وعمر مقيمين بالمدينة، ولم يتفرقوا فى الأقاليم إلا بعد ذلك؛ وبذلك كان فى الامكان أن يجتمعوا على رأى، وأن تتوارث الأجيال اجتماعهم، فقد اتفقوا على جمع القرآن فى المصاحف مثلا، وعلم إجماعهم على ذلك لمن جاء بعدهم، ولذلك جرى بعض العلماء على أن أحمد لا يعتبر إجماعا إلا إجماع الصحابة، وذلك لأن نقله قد توافر، وأسباب العلم ثابتة، وهو لم ينكر دعاوى إجماع من بعد الصحابة إلا لعدم توافر أسباب العلم؛ إذ تفرق العلماء فى البلاد، وكثروا، وصعب التلاقى بينهم بل صعب إحصاؤهم، ومعرفتهم معرفة صحيحة كاملة، كما بين الشافعى فى جماع العلم.
- ١٥٧ - قد قررنا أن أحمد كان يأخذ بقول لا يجد له مخالفا، ويستمسك
(١) المدخل إلى مذهب الامام أحمد بن حنبل ص ١٢٩
266