268

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

به، ويعتبره حجة إذا لم يكن ثمة حديث في الموضوع، وقلنا إن ذلك من فرط ورعه، وتحفظه عن أن يفتى في الموضوع برأي نفسه في وقت قد وجد فيه كل الفقهاء الذين يعلم شيئا عن آرائهم، قد قرروا ذلك الرأي، ولم يعرف أن لهم مخالفا قد قرر غير ما ارتأوا.

وإذا كان نفي العلم بالمخالف دالا على شيء، فهو يدل على أن الأكثرين، أو جمهور العلماء على ذلك الرأي؛ لأنه لو كان نقيضه مثله في العدد، لكان له مثل شهرته، ولظهر وعلم واشتهر بين الناس، ولعلم المخالف.

ولذلك قال بعض العلماء، إن أحمد يرى أن الإجماع ينعقد بقول الأكثر تخريجا لاستدلاله بقول لا يعلم له مخالفا، إذ أن عدم العلم بالمخالف يدل على كثرة معتنقيه، وهو أخذه باعتباره اتفاقا،

واعتبار قول الأكثر إجماعا هو قول ابن جرير الطبري، وأبي بكر الرازي من الحنفية، وأبي الحسين الخياط من المعتزلة، وبعض الحنابلة، وقد خرج الطوفي قول أحمد عليه، على النحو الذي بيناه.

وإذا اعتبرنا ذلك إجماعا، فإنه يكون حجة عند أحمد كما بينا، ومرتبته دون الحديث الصحيح، وقبل القياس؛ إذ أن القياس هو أدنى الرتب وأضعفها، ولا يصير أحمد إليه إلا عند الضرورة، وقد يدفعه القياس في هذه الحالة إلى الشذوذ والغرابة، ولذا لم يصر إليه.

- ١٥٨- وينتهي بنا القول بالنسبة لرأي أحمد في الإجماع إلى أنه له مرتبتان عنده (أولاهما) وهي العليا إجماع الصحابة بل إجماع الناس في أصول الفرائض، وإجماع الصحابة في المسائل التي عرضت للنظر عندهم وتبادلوا الرأي فيها، وانتهوا إلى رأي معين، فإن هذا الإجماع يكون حجة، وهو معتمد على سند من الكتاب أو السنة الصحيحة، وهو حجة قوية لا يوجد حديث صحيح يخالفها؛ لأن الصحابة هم رواة أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، فلا يمكن أن ينعقد إجماعهم، وثمة حديث يخالفه من غير أن يذكروه، ويتبادلوا الرأي في فهمه وتخريجه،

267