269

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

فإن ذكر خبر بعد عصرهم يخالف إجماعهم، فهو شاذ قد وجد ما يعارضه، وأحمد كان يرد الخبر إذا وجد في الباب ما يعارضه.

- المرتبة الثانية -أن يعلم رأي ويشتهر، ولا يعلم له مخالف قط، فهذه المرتبة الثانية من الإجماع إن سمينا مثل هذا الوضع إجماعًا، وهذه دون الحديث الصحيح، وفوق القياس؛ لأنه إذا وجد فقيه مخالف نقض الإجماع، فأولى إذا وجد خبر مخالف، وهذا النوع، أو هذه الرتبة كانت في العصور التي وليت عصر الصحابة.

- ١٥٩ - ومن الخير أن نسوق بعض مسائل أخذ بها أحمد وغيره، باعتبار أنه لم يعرف مخالف فيها، أو لم يخالف إلا الشواذ الذين لا يؤبه بخلافهم، وقد ساق ابن القيم طائفة منها كان القياس في الحملة أساس الاستنباط فيها فقال:

((ومن القياس المجمع عليه صيد ما عدا الكلب من الجوارح قياسًا على الكلاب، بقوله تعالى: ((وما علمتم من الجوارح مكلبين)) وقال عز وجل: ((والذين يرمون المحصنات)) فدخل في ذلك المحصنون، وكذلك قوله في الإماء: ((فإذا أحصن، فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، فدخل في ذلك العبد قياسًا عند الجمهور إلا من شذ ... وأجمعوا على توريث البنتين الثلثين قياسًا على الأختين)) وهذا كله إجماع احترمه أحمد وغيره من الفقهاء، ولم يفكر في رأي سواه.

- ١٦٠ - وترى مما سبق أن أحمد لا يخضع للإجماع الذي ينطبق عليه التعريف الذي ابتدأنا به في بيان حقيقته إلا بما كان يجمع عليه الصحابة من المسائل التي يتبادلون فيها النظر، ويتذاكرون الأحكام القرآنية والنبوية فيها، وينتهون فيه إلى رأي يرتضونه، ويعملون به، أو تسير شؤون الدولة على مقتضاه؛ إن كان أمرًا يتصل بشؤونها، أما إجماع غيرهم، فلا سبيل إلى علمه.

ولقد أقر بهذه الحقيقة أهل النظر الدقيق من العلماء، كما أشار إليها الشافعي في مجادلاته.

وقد قال الشوكاني: من أنصف من نفسه علم أنه لا علم عند علماء الشرق بجملة

268