272

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

مثل قوله تعالى: ((ويسألونك عن المحيض ؟ قل هو أذى ، فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن))، وقال في تحريم الخمر والميسر: ((إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون؟)) وكذلك الأحاديث النبوية فيها تصريح بالأوصاف المناسبة أو العلل، بل فيها تصريح بالحكم بموجب القياس، ومن الأول قوله صلى الله عليه وسلم في النهي عن لحوم الحمر: ((فإنها رجس)) ومن الثاني ما يروى أنه جاءه رجل يقول له: ((إن أبي أدركه الإسلام، وهو شيخ كبير، لا يستطيع الرحل، والحج مكتوب عليه، أفأحج عنه؟)) فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنت أكبر ولده؟)) قال: نعم. قال: ((أرأيت لو كان على أبيك دين، فقضيته عنه أكان يجزئ؟)) قال: نعم. قال: ((حج عنه)) وفي هذا الخبر ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم هدى الرجل بالقياس، فالحق أداء الحج عن أبيه العاجز عن أدائه بأداء دينه، وإذا كان أداء الدين يبرئ ذمته، فكذلك أداء الحج يجزئ عنه عند العجز.

١٦٣ - ومع هذه الأمور المقررة الثابتة وجدنا فريقاً من العلماء أنكر القياس ونفاه، وفريقاً آخر غالى فيه، وأكثر، فالأول ينفي العلل والمعاني والأوصاف المؤثرة، ويجوز ورود الشريعة بالفرق بين المتساويين والجمع بين المختلفين، ولا يثبت أن سبحانه وتعالى شرع الأحكام لعلل ومصالح، وربطها بأوصاف مؤثرة فيها مقتضية لها طرداً وعكساً، وأنه قد يوجب الشيء ويحرم نظيره من وجه، ويحرم الشيء، ويبيح نظيره من وجه، وينهى عن الشيء، لا لمفسدة فيه، ويأمر به لا لمصلحة، بل لمحض المشيئة المجردة عن الحكمة والمصلحة، وبأزاء هؤلاء الفريق الثاني الذين أفرطوا في القياس وتوسعوا جداً، وجمعوا بين الشيئين اللذين فرق الله بينهما بأدنى جامع في شبه أو طرداً، ووصف يتخيلونه علة؛ ويمكن أن تكون علته وألا تكون؛ فيجعلونه هو السبب الذي علق الله ورسوله الحكم بالخرص والظن؛ وهذا الذي أجمع السلف على ذمه))(١)

هذان فريقان اختصما في شأن القياس.

(١) إعلام الموقعين ج ١ ص ١٧٣

271