273

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

أحدهما غالى في نفيه، حتى جرد الناس من التفكير في شرع الإسلام.

وثانيهما غالى في إثباته فتعلق بأوصاف ظنها العلل المؤثرة، فسير الحكم على مقتضاها طرداً وعكساً، أي نفياً وإثباتاً، وعمم هذه الأوصاف، وجعلها شاملة ووقفها في موقف المعارضة للنصوص، وبلغت الحال ببعضهم أن وازن بين النص المحفوظ، والعلل المتلمسة.

١٦٤- ولقد كان لأحمد المحدث والفقيه موقفاً حسناً، فكان بين ذلك قواما فلم ينف القياس نفياً باتا، كما فعل الظاهرية الذين حكموا بالنصوص دون سواها، وسهل لهم طريقهم أنهم لم يبتلوا باستفتاء الناس، فلم يقصدوهم، كما قصدوا أبا حنيفة، ومالكا، والشافعي، وأحمد، ولم يغال في القياس مغالاة العراقيين الذين خلقوا أبا حنيفة وتلاميذه، فوقفوا العلل المطردة في زعمهم في مقام المعارضة للنصوص، وفتاوى الصحابة. أخذ أحمد بالقياس، وقرره كما جاء في الروضة لابن قدامة الحنبلي إذ فيها أن أحمد رضي الله عنه قال: ((لا يستغني أحد عن القياس)) وهي كلمة حق بالنسبة للمفتي الذي يتصدى للإفتاء، فإنه مضطر إليه لا محالة؛ لأن الناس يجد لهم من الحوادث ما يقتضي قياس غير منصوص على منصوص، ولا يستطيع الفقيه أن يجد لكل حادثة نصاً من الكتاب أو السنة أو فتاوى الصحابة، وما دام لا يجد شيئاً من ذلك فأما ألا يفتي، فيكون الناس في حرج شديد، ولا يعلمون أحكام الدين في أعمالهم. وإما أن يقيس رفعاً للحرج، وإجابة لداعي الإرشاد والهداية، ولا يغني التوقف في هذا فتيلا.

وإذا كان أحمد قد نقل عنه، أن القياس لا يستغني عنه فقيه فقد ادعى بعض العلماء أنه روى أيضاً عنه ما يجعله في صف الذين نفوا القياس، فقد روى عنه أنه قال: ((يجتذب الكلام في الفقه المجمل والقياس)) فهذا النص يفيد بنصه، وجوب تجنب الكلام في القياس، وبالتالي عدم الأخذ به، ولكن تأول ذلك النص أبو يعلى القاضي الحنبلي بأن ذلك إذا كان القياس في حال النص، فإنه غير معتبر، بل يكون قياساً فاسداً، ويكاد الفقهاء يأخذون بذلك، على تفاوت فيما بينهم.

272