274

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

والحنابلة جميعاً يقررون أن أحمد بن حنبل كان يأخذ بالقياس، ويؤيدون كلامهم بعبارة وردت عنه، وبالفروع المأثورة عنه، فإنها تومىء بطريقة استنباطها إلى أنه لم يكن من نفاة القياس، بل كان من مثبتيه.

١٦٥ - أخذ أحمد رضي الله عنه بالقياس، كما نقل عنه أصحابه وتلاميذهم من بعدهم كما نوهنا، وما كان أحمد مبتدعاً، بل كان متبعاً فإن الصحابة الذين تخرج على فقههم، وإن باعد بينه وبينهم الزمن قد أخذوا بالقياس ونقل عنهم، وكثير من الأحكام التي استنبطوها بنيت عليه، وقد قال ابن القيم: ((كان أصحاب رسول الله ﷺ يجتهدون في النوازل ويقيسون بعض الأحكام على بعض، ويعتبرون النظير بنظيره ... (١)

ولقد قال المزني صاحب الشافعي في ذلك: «الفقهاء من عصر رسول الله ﷺ إلى يومنا استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم، وأجمعوا بأن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل، فلا يجوز لأحد إنكار القياس لأنه التشبيه بالأمور والتمثيل عليها)) (٢)

ومع أننا نقرر مع الحنابلة أن أحمد كان يأخذ بالقياس، فإننا نقول إنه ما كان يميل إلى التوسع فيه؛ بل كان يأخذ به فقط عند الضرورة، وهو في ذلك يسلك مسلك الشافعي، كما روى الخلال عنه، فقد جاء في كتاب الخلال عن أحمد: «سألت الشافعي عن القياس، فقال: ((إنما يصار إليه عند الضرورة، أو ما هذا معناه))

ولأن القياس ما كان يأخذ به إلا للضرورة أي للاضطرار إلى الإفتاء، وليس ثمة نص يسعفه، ولا فتوى صحابي تعينه - كان لا يتجه إلى القياس، وعنده حديث صحيح، أو فتوى صحابي ثابتة، بل كان أحب إليه أن يفتي بالحديث الضعيف عن أن يقيس، ويفتي برأيه.

١٦٦ - كان أحمد يجتهد بالقياس، ولذلك كان للقياس في الفقه الحنبلي مقام ولعل الحنابلة أعطوه من العناية أكثر مما أعطى أحمد رضي الله عنه، وقد دفعتهم إلى ذلك حاجة الزمان، فإن الناس قد جدت لهم أحداث اضطروا فيها إلى أن يفتوا

(١) إعلام الموقعين ١/١٧٦ (٢) إعلام الموقعين ١/١٧٨

273