276

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

ما جاء به النص، ومالم يجىء به النص متفق مع ما توجبه الأقيسة الفقهية السليمة، وبين خطأ ما يجرى على أقلام بعض كتاب الفقه الإسلامي من المتقدمين والمتأخرين من أن هذا موافق للقياس، وذاك مخالف له، وأن من النصوص الشرعية ما يكون مخالفا للقياس، بل يقرر أن كل النصوص الإسلامية من الكتاب والسنة تتفق مع القياس.

وهو في هذا السبيل لا يتقيد بالأوصاف التي تعتبر عللا يعممون حكمها، كما يفعل الحنفية الذين حكموا بطرد المقاييس، بل يسند الأقيسة إلى الحكم والأغراض والمقاصد الشرعية العامة، دون ما سماه الحنفية علة منضبطة، فهو ينظر في كون الأمر متفقا مع القياس، أو مختلفا معه إلى كونه موافقا للمقاصد الشرعية أولا، وهي ترجع في جملتها إلى جلب المصالح ودفع المضار، ويسير في الأمر مبينا اتفاق كل النصوص الشرعية مع المصلحة، والعدالة من غير نظر إلى العلل المنضبطة المطردة.

- ١٦٨ - وهو في هذا السبيل يقسم القياس إلى قسمين صحيح وفاسد، فيقول: "أصل هذا أن تعلم أن لفظ القياس لفظ مجمل يدخل فيه القياس الصحيح، والقياس الفاسد، فالقياس الصحيح هو الذي وردت به الشريعة وهو الجمع بين المتماثلين والفرق بين المختلفين، الأول قياس الطرد، والثاني قياس العكس، وهو من العدل الذي بعث الله به رسوله، فالقياس الصحيح مثل أن تكون العلة التي علق بها الحكم في الأصل موجودة في الفرع من غير معارض يمنع حكمها، ومثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافه قط، وكذلك القياس بإلغاء الفارق، وهو ألا يكون بين الصورتين فرق مؤثر في الشرع، فمثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافه، وحيث جاءت الشريعة باختصاص بعض الأنواع بحكم يفارق به نظائره، فلا بد أن يختص ذلك النوع بوصف يوجب اختصاصه بالحكم، ويمنع مساواته لغيره، لكن الوصف الذي اختص به قد يظهر لبعض الناس، وقد لا يظهر؛ وليس من شرط القياس الصحيح أن يعلم صحته كل أحد، فمن رأى شيئاً من الشريعة مخالفاً للقياس، فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، وليس مخالفاً للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر، وحيث

275