278

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

التي تؤثر في ثبوت الحكم في الأصل، فيثبت بمقتضاها الحكم في الفرع، ويفرقون بين العلة والوصف المناسب أو الحكمة، إذ الحكمة أو الوصف الملائم غير المنضبط هي المصلحة التي تتحقق مع غرض الشارع في إثبات الطلب، أو المنع، وأما العلة فهي الوصف الملائم المنضبط الذي من شأنه أن يكون الحكم أثر الارتباط بينهما، والعلة في أكثر الأحوال تتلاقى مع الوصف المناسب، بل إن الملاءة المشتركة بينهما هي التي اقتضت أن يكون ذلك الوصف علة مؤثرة في ثبوت الحكم. ولكن قد توجد العلة، ولا تتحقق الحكمة فيها، ولا يمنع ذلك من كون العلة مؤثرة في وجود الحكم، ولذلك قالوا إن العلة مناط الحكم وجودا وعدما، فحيثما وجدت، وجد الحكم، وحيثما انتفت انتفى، أما الحكمة فليس لها هذه القوة.

ولقد قرر الحنفية لهذا أن العلة لها عموم، فهي تثبت الحكم دائما كلما تحققت في أي أمر من الأمور، وبذلك تتقرر الأصول، وتضبط الأحكام، ويكون الحمل على النصوص الشرعية، وتعرف الأحكام القياسية، والأحكام التي تجيء مخالفة للقياس، ولكنها موافقة للنصوص، فتقتصر على موضع النص، ولا تكون سائرة على مقتضى القواعد الفقهية، ومع ذلك لها احترامها، لمقام النص عليها.

هذا نظر الفقهاء القيّاسين الذي جرى على أقلامهم عبارة أن هذا النص مخالف للقياس، أما ابن تيمية وتبعه في هذا تلميذه ابن القيم، وهو نظر كثيرين من الحنابلة، ولعله هو الذي يتفق مع نظر الإمام أحمد نفسه في أقيسته، فقد اعتبروا الوصف المؤثر في الحكم هو الحكمة، أي الوصف المناسب الذي يتفق مع أغراض الشارع العامة، وهي جلب المصالح ودفع المضار، فهم نظروا إلى ذلك الوصف، دون العلة التي قيدها الحنفية بالقيود السابقة.

وما داموا قد نظروا إلى ذلك الوصف الملائم، فلا يمكن أن يوجد نص إسلامي مخالف له، وإذا اعتبروا الصلة الرابطة بين الأشباه والنظائر هي الحكمة الشرعية، فلا يمكن أن تجيء نص شرعي مخالف لنظائره، وإن هذا النظر فيه فائدة، وهي تبين

277