279

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

مرامى الشريعة في أغراضها العامة، وفي كل حكم من الأحكام، وإن بدا للناس أنه غريب، فهي موضحة لأغراض الشريعة في الجزئيات والكليات معا.

وإذا كانت هذه فائدة ذلك النظر، فإن نظر الحنفية وأشباههم له فائدة علمية، وهي ضبط الفقه الإسلامي بقواعد محكمة قوية، وليس في قولهم إن ذلك النص مخالف للقياس تشويه له، أو نقص لقدره؛ لأنهم أخذوا به، واعترفوا بتحقق المصلحة فيه، ولكنهم سيروا قاعدتهم على اطرادها لتضبط موازين الاستنباط، ولتجمع قواعد الأحكام، ولكل وجهة هو موليها.

- ١٧٠ - بعد بيان أساس الاختلاف النظري بين هؤلاء الحنابلة، وأئمة القياس الحنفية. نتجه إلى تخريجات ابن تيمية في المسائل التي سماها الحنفية مخالفة للقياس، مع الاعتراف بوجه المصلحة فيها، ولسنا في سبيل ذلك نحصيها إحصاء، بل نضرب لها الأمثال، ونختار من هذه الأمثال، مسائل بعضها كلي، وبعضها جزئي في بيان حكم حديث مثلا، قضى الحنابلة به، وخالفهم في صحته غيرهم، واعتبروه مخالفا لحديث، أقوى منه، وها هي ذي الأمثلة:

- أ - حوالة الحقوق، فقد قرر الفقهاء القياسيون أنها مخالفة للقياس؛ لأنها تمليك الدين قبل وفائه؛ لغير من عليه الدين؛ إذ أن مقتضى هذه الحوالة أن يملك شخص دينا له على آخر، فيستوفيه دون الدائن، ويحل محل الدائن فيه، وذلك لا يجوز في القياس، لأن الدين وصف في الذمة لا يجري عليه التمليك، أما تمليكه للمدين فهو إبراء، وفوق ذلك فإن حوالة الحق داخلة في عموم النهي عن بيع الكاليء بالكاليء، وقد بين ابن تيمية بطلان القياس، وبطلان انطباق الحديث، فقال:

وأما الحوالة فمن قال إنها تخالف القياس قال إنها بيع دين بدين، وذلك لا يجوز وذلك غلط من وجهين:

(أحدهما) أن بيع الدين بالدين ليس فيه نص عام، ولا إجماع، وإنما ورد النهي عن بيع الكاليء بالكاليء، والكاليء هو المؤخر الذي لم يقبض، وهذا كما لو أسلم في شيء في الذمة، وكلاهما مؤخر، فهذا لا يجوز بالاتفاق، وهو بيع كاليء بكاليء.

278