Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
(الوجه الثاني)أن الحوالة من جنس إيفاء الحق لا من جنس البيع، فإن صاحب الحق إذا استوفى من المدين ماله كان هذا استيفاء، فإذا أحاله على غيره كان قد استوفى ذلك الدين عن الدين الذي له في ذمة المحيل، ولهذا ذكر النبي ﷺ الحوالة في معرض الوفاء، فقال في الحديث "مطل الغني ظلم"، وإذا اتبع أحدكم على مليء فليتبع، فأمر المدين بالوفاء ونهاه عن المطل، وبين أنه ظالم إذا مطل، وأمر الغريم بقبول الوفاء إذا أحيل على مليء، وهذا كقوله تعالى "فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان" أمر المستحق أن يطالب بالمعروف، وأمر المدين أن يؤدي بإحسان، ووفاء الدين ليس هو البيع الخاص، وإن كان فيه شوب المعاوضة، وقد ظن بعض الفقهاء أن الوفاء إنما يحصل باستيفاء الدين بسبب أن الغريم إذا قصد الوفاء صار في ذمته للمدين مثله يتقاضى ما عليه بماله، وهذا تكلف أنكره جمهور الفقهاء، وقالوا: بل نفس المال الذي قبضه يحصل به الوفاء، ولا حاجة أن نقدر في ذمة المستوفي دينًا، وأولئك قصدوا أن يكون وفاء الدين بدين، وهذا لا حاجة إليه. وتراه في هذا يثبت أن حوالة الحق ليست خارجة على القياس، أي لم تجيء شاذة عن حكم النظائر، لأنها ليست بيع الكاليء بالكاليء المنهي عنه، ولأنها ليست من قبيل البيع أو التمليك، ولكنها من قبيل استيفاء الحقوق، والتعاون في استيفائها.
والأقيسة في المذهب الحنفي لا تتسع لقبول حوالة الحقوق، وإن كان المذهب قد قبل حوالة الدين، ولذلك قرر بعض القانونيين، وبعض رجال الفقه الإسلامي أن حوالة الحقوق لا يقرها المذهب الحنفي، ولكن ذلك المذهب المتسع الأفق الذي امتاز فقهاؤه بالقدرة على المخارج الفقهية إذا ضيقت عليهم الأقيسة أبواب الفتوى قد وجدوا لحوالة الحقوق مخرجًا، وأفتى بعضهم بها، ولذلك جاء في البدائع جواز حوالة الحقوق، واعتبرها توكيلاً بقبض الدين، وهذا نص قوله:
وأما بيع الديون من غير من عليه، والشراء بها من غير من عليه، فينظر إن أضاف البيع والشراء إلى الدين لم يجز بأن يقول لغيره بعت منك الدين الذي في ذمة فلان بكذا، أو يقول اشتريت منك هذا الشيء بالدين الذي في ذمة فلان؛ وذلك
279