Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
لأن ما في ذمة فلان غير مقدور التسليم في حقه، والقدرة على التسليم شرط انعقاد العقد على ما مر، بخلاف البيع والشراء بالدين ممن عليه الدين؛ لأن ما في ذمته مسلم إليه. وإن لم يضف العقد إلى الدين الذي عليه جاز، ولو اشترى شيئًا بثمن دين، ولم يضف العقد إلى الدين، حتى جاز، ثم أحال البائع على غريمه بدينه الذي له عليه جازت الحوالة، سواء كان الدين الذي أحيل به دينًا يجوز بيعه قبل القبض، أم لا يجوز كالسلم، ونحوه، وذكر الطحاوي رحمه الله أنه لا تجوز الحوالة بدين لا يجوز بيعه قبل القبض، وهذا غير سديد، لأن هذا توكيل بقبض الدين، فإن أحال له يصير بمنزلة الوكيل للمحيل بقبض دينه من المحتال له، والتوكيل بقبض الدين جائز أي دين كان، ويكون قبض الوكيل، كقبض موكله))(١).
هذا نص ما في البدائع، وتراه أقر الحوالة بالحق واعتبرها صحيحة، ومن الغريب أنه انتهى فيها إلى ضرب من ضروب القياس، وأوجد لها نظيرًا، وهو الوكالة باستيفاء الدين، وهنا يتلاقى الفقيه الحنبلي بالفقيه الحنفي، في أن الحوالة بالحق من قبيل الاستيفاء لا من قبيل المبادلة، وإن كان معنى المبادلة ثابتًا، بل إن كان مقصودًا، كما في الصورة التي ذكرها صاحب البدائع، وإن اشترط عدم إضافة العقد إلى الدين بيعًا وشراءً.
ولا ننسى أن نقول إن كلا الفقيهين المتباعدين زمنًا، ومذهبًا، ومقامًا، التقيا في النتيجة، ولكن لم يتوحد مسلكهما في الوصول إليها، فالكساني وصل إليها عن طريق العلة التي يدور معها الحكم وجودًا وعدمًا، وهي الإنابة.
أما ابن تيمية فقد قصد إلى المقصد الشرعي من أول الأمر، وهو المعاونة على استيفاء الحقوق، وذلك فرق ما بين المنهاجين.
- ١٧١- ومن الأمثلة التي ساقها ابن تيمية، وبين فيها غرض الشارع الإسلامي عقود المضاربة، والمزارعة، والمساقاة، (٢)وهذا نص قوله:
(١) البدائع الجزء الخامس ص ١٨٢
(٢) المضاربة شركة في الربح يكون المال من جانب، والعمل من جانب آخر، والمزارعة شركة في إنتاج الأرض بين صاحب الأرض، والعامل، والمساقاة شركة في الثمر بين صاحب الشجر والعامل
280