Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
وأما النوع الثالث، فهو ما لا يقصد فيه العمل، بل المقصود المال، وهو المضاربة، فإن رب المال ليس له قصد في نفس عمل العامل، ولهذا لو عمل ما عمل، ولم يربح شيئًا لم يكن له شيء، وإن سمي هذا جعالة بجزء ما يحصل بالعمل كان نزاعًا لفظيًا، بل هذه مشاركة، هذا بنفع بدنه، وهذا بنفع ماله، وما قسم الله من الربح كان بينهما على الإشاعة، ولهذا لا يجوز أن يخص أحدهما بربح مقدر؛ لأن هذا يخرجهما عن العدل الواجب في الشركة، وهذا هو الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من المزارعة(١)
وترى من هذا النظر كيف كان يتجه ابن تيمية إلى المقصد العام، وفقهاء الحنفية إلى العلل الخاصة، فهم اعتبروا المضاربة، والمزارعة، والمساقاة إجارات، أجيزت استثناء؛ لأن الأجرة غير معلومة، وهو بنظرته الشاملة لم يعتبرها إجارة، بل اعتبرها اشتراكًا ثم وضح مقاصد الشريعة في العقود التي تجعل المكافأة على نتائجها، والعقود التي يجري فيها الالتزام، والتعاقد الكامل، والعقود التي يكون الأساس فيها الاشتراك في الثمرات، والتعاون في حال الخسارة لاحتمالها.
- ١٧٢ - جـ ـ ومن الأمثلة الشفعة،فقد قرر فقهاء الحنفية أن الشفعة تثبت على خلاف القياس، وأنها أمر استثنائي لأن الأصل ألا ينتقل الملك من صاحبه إلى غيره إلا بطيب نفسه، ورضاه، وفي الشفعة يملك العقار جبرًا عن صاحبه وهو المشتري إذ بمقتضى البيع صار هو المالك، ومع ذلك ينزع ملكه جبرًا عنه.
ومن جهة أخرى ترى في تقرير الشفعة إضرارًا بالمالك الأصلي، وهو البائع؛ لأنه إذا علم الراغبون في الشراء أنهم إن اشتروا نزع ملكهم منهم لا يقدمون على الشراء، فإذا كان المالك مضطرًا للبيع كان بين حالين: إما احتمال الضرر النازل به الذي يضطره للبيع، وذلك أذى لا ريب فيه، وإما الترغيب في البيع الذي أعرض الناس عنه - بعرضه بثمن بخس فيه غبن فاحش، ولكنه قد اضطر إليه.
هذا ما قرره الحنفية، وقرر ابن القيم أن الشفعة مشروعيتها على مقتضى القياس وأصول الشريعة، فقال: من محاسن الشريعة وعدها قيامها بمصالح العباد، وورودها
(١) رسالة القياس من مجموع الرسائل الكبرى ٢٠ ص ٢٢٠
282