284

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

بالشفعة، ولا يليق بها غير ذلك، فإن حكمة الشارع اقتضت رفع الضرر عن المكلفين ما أمكن، فإن لم يمكن رفعه إلا بضرر أعظم منه أبقاه على حاله، وإن أمكن رفعه بالتزام ضرر دونه رفعه به. ولما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب، فإن الخلطاء يكثر فيهم بغي بعضهم على بعض شرع الله سبحانه وتعالى رفع هذا الضرر بالقسمة تارة، وانفراد كل من الشريكين بنصيبه، وبالشفعة تارة أخرى، وانفراد أحد الشريكين بالجملة، إذا لم يكن على الآخر ضرر في ذلك، فإذا أراد بيع نصيبه وأخذ عوضه كان شريكه أحق به من الأجنبي، وهو يصل إلى غرضه من العوض من أيهما كان، فكان الشريك أحق بدفع العوض من الأجنبي، ويزول عنه ضرر الشركة ولا يتضرر البائع؛ لأنه يصل إلى حقه من الثمن، وكان هذا من أعظم العدل، وأحسن الأحكام المطابقة للعقول والفطرة ومصالح العباد))

ويقول في قول الفقهاء إن الأصل ألا يخرج المال من يد صاحبه إلا بطيب نفسه ((إنما كان الأصل عدم انتزاع ملك الإنسان منه إلا برضاه، لما فيه من الظلم له، والإضرار به، فأما ما لا يتضمن ظلما، ولا إضرارا، بل فيه مصلحة له بإعطائه الثمن فلشريكه دفع ضرر الشركة عنه، فليس الأصل عدمه، بل هو مقتضى أصول الشريعة فإن أصول الشريعة توجب المعاوضة للحاجة والمصلحة الراجحة، وإن لم يرض صاحب المال، وترك معاوضته لشريكه مع كونه قاصداً للبيع ظلم منه، وإضرار لشريكه، فلا يمكنه الشارع منه، بل من تأمل مصادر الشريعة ومواردها تبين له أن الشارع لا يمكن هذا الشريك من نقل نصيبه إلى غير شريكه، وأن يلحق به من الضرر مثل ما كان عليه أو أزيد منه، مع أنه لا مصلحة له في ذلك))(١)

وترى من هذا المثال أن ابن القيم في تعليله، وفي توجهه إلى الأقيسة يتجه إلى المقاصد العامة للشريعة من أن الضرر يزال، وأنه مقدم في الاعتبار، ولا يلتفت إلى غير ذلك، إلا إذا كان هناك تفويت مصلحة يترتب عليه ضرر أشد، وهكذا.

(١) القياس في الفقه الإسلامي ص ١٨٢ وما يليها.

283