Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
١٧٣ - ومن الأمثلة السلم فقد قرر الحنفية أنه عقد استثنائي ثبت على خلاف القياس؛ لأنه بيع المعدوم أو بيع ما ليس عند البائع، وهو بهذا داخل في عموم نهي النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "لا تبع ما ليس عندك"ولكن يقرر ابن القيم أنه بيع قياسي جار على أصل الشريعة في البيوع، والتعاقد بوجه عام، لأنه بيع مضمون في الذمة مقدور على تسليمه غالباً كالمعاوضة على المنافع في الإجارة، وكالتزام الثمن في البيوع المطلقة، وأخطأ القياسيون في قياسهم بيع السلم على بيع المعدوم، أو بيع ما ليس عنده، لأن بيع العين المعدومة، بيع مالا وجود له ولا يقدر على تسليمه، وبيع الإنسان عيناً معينة لا يملكها، بل هي ملك لغيره الالتزام فيها منصب على شيء معين ليس مضمون التسليم، بخلاف السلم فإن الالتزام فيه بموصوف، وهو ثابت في الذمة، وتسليم جنس مبين النوع والصفة مقدور التسليم غالباً، وإن الالتزام بأداء شيء يعرف بجنسه، ونوعه، ووصفه، وقدره، وثبت ذلك في الذمة هو من قبيل الديون فهو كالثمن، فأي فرق بين كون أحد العوضين مؤجلاً في الذمة، وبين الآخر؟ إن الأولى إذن أن يقاس المسلم فيه على الثمن في البيوع المطلقة، وعلى الديون بشكل عام، وهذا محض القياس والمصلحة، ولقد فهم ابن عباس حل عقد السلم من قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه" الآية، وقال في ذلك: "أشهد أن السلف(١) المضمون في الذمة حلال في كتاب الله تعالى"، وقرأ هذه الآية(٢)
١٧٤ - ومن الأمثلة التي اعتبر الحنفية بعض الأخبار فيها مخالفاً للقياس، أو لأحكام المسائل الداخلة في عموم حديث آخر الذي فيه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الرهن مركوب ومحلوب، وعلى الذي يركب ويحلب النفقة" فقد قرر الحنفية أن هذا الخبر لا يتفق مع القياس، ومع المقرر الثابت، وهو أن الرهن لا ينقل
( ) السلف والسلم هما مترادفان يطلقان على عقد يعرفه الشرعيون بأنه بيع آجل معرف بالجنس والنوع والقدر والصفة بعاجل، أي يكون المبيع على النحو السابق، مؤجلاً، والثمن معجلاً.
(٢) أعلام الموقعين ج ١ ص ٣٥٠
284