286

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

الملكية، ومؤنة الملك على المالك، ومنافع المملوك على المالك، والحديث يجعل المنفعة عائدة على المرتهن، والنفقة عليه، وهذا غير المقرر في أحكام الملكية، ولأن المنفعة قد تكون أكثر من النفقة فيكون ذلك ربا، إذ كل قرض جر نفعا فهو ربا، ولذلك كان الخبر مخالفا للقياس، وللمشهور المقرر من الأحاديث والأحكام.

ولكن ابن تيمية يثبت أنه موافق القياس من جهة أن الرهن إذا كان حيوانا فملكيته لصاحبه المدين، وللمرتهن فيه حق الاحتباس للاستيثاق من الاستيفاء، فهو باق في يده، وإذا كان في يده، فلم يركب ولم يحلب ذهبت منفعته، وأصابه الضر، فإذا استوفى المرتهن هذه المنفعة، وعوض عنها بالنفقة، وكانت بدلها، فإن في هذا جمعا بين المصلحتين وبين الحقين، فإن منفعته حق لصاحبه، والنفقة واجبة عليه، فإذا استوفى المرتهن حقه، وأدى عنه واجبه، فقد وهب ماله من حق بما عليه من واجب، ومن جهة أخرى فإن المرتهن بإنفاقه عليه، قد أدى ما وجب على غيره فكان دينا عليه، والمنفعة تصلح أن تكون بدلا عما أدى من دين، فأخذها خير من أن تذهب على صاحبها وتبطل(١)

هذا هو ما قاله ابن تيمية، وعندي أن الحنفية كانوا في هذه القضية أقيس من ابن تيمية، وإن كانوا قد أفرطوا في تضعيف الحديث، أما وجه كونهم أقيس فلأن المنفعة تصلح بدلا للدين إذا كان ثمة تراض على هذه البدلية، وإذا كانت تساوي في قيمتها النفقة التي أنفقت، فإن كانت بالرضا ومساوية للنفقة فلا مجال للشك في الحل، والقياس الذي يمنع ذلك مضيق من غير مستند من الشرع؛ فلا يلتفت إليه، ولكن إن كانت بغير رضا ولا قضاء، فهو أكل مال غيره من غير حكم عادل رافع للظلم، ومن غير رضا مقرر مثبت، وإن كانت المنفعة أكثر من النفقة، فإن الزيادة ربا لا يحلها الرضا، فكيف إن لم يكن ذلك التراضي، ولو أننا تساهلنا في مسألة الرضا، وقلنا إن الإنفاق دين يثبت للمرتهن، وله أن يستوفيه مما يقع تحت يده من مال المدين، فذلك يكون إن كان من جنس حقه، والمنفعة ليست من جنس ذلك

(١) رسالة القياس ص ٢٥٩

285