Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
وفوق ذلك فكل تدليس يجيز الفسخ كما أثبت النبي صلى الله عليه وسلم للركبان إذا تلقوا، واشترى منهم قبل أن يهبطوا السوق، ويعلموا السعر - الخيار في الفسخ. وأما الخراج بالضمان فهو خبر قوي يستدل بمثله، ولكن حديث المصراة أقوى في نظر أحمد والشافعي، ومن يتبعهما، والخراج اسم للغلة، فيقتصر عليها، واللبن نماء لا غلة، وكان موجوداً وقت العقد، فهو جزء من المبيع، فافترق موضوع الحديثين، ولم يجعل الصاع عوضاً عن اللبن الحادث بعد العقد، بل عن اللبن الذي كان وقت العقد؛ وأما تولي الشارع التقدير فلأن اللبن الموجود وقت العقد اختلط بغيره؛ فتعذر التقدير الحقيقي، فتولى التقدير التقريبي حسماً لمادة الخلاف.
وأما اعتبار العوض من غير جنس التمر فلكي يكون بيعاً ومعاوضة، لا تضميناً بالمثل، حتى لا يكون أزيد أو أكثر، فتعتبر الزيادة ربا، فكانت المعاوضة بغير الجنس ليكون ذلك تفادياً من الربا الذي يكون عند التفاوت.
واختير ذات التمر؛ لأن طعام العرب الذي كان يغلب عليهم اللبن والتمر، فكان التعويض من جنس ما يجري، الغذاء الغالب، أي أن المشتري فوت على البائع قدراً من الغذاء، فيعوض بغذاء ثان هو صنو ذلك الغذاء، ولذلك قرر ابن تيمية أن من موارد الاجتهاد أن يضمن من يرد المصراة مقداراً من قوت البلد، يساوي الصاع من التمر إذا كان قوت البلد غير اللبن والتمر.
وترى من هذا أن ابن تيمية بدا قياساً متسع الأفق لا يقتصر في دفاعه على باب واحد من أبواب المشاكلة والمشابهة، بل يوسع طرائق التشبيه، وتعدد الأوصاف ويسعفه في ذلك عقل أريب دارس لخواص الأشياء، ولمعاني الأحكام، ولمراعي الشرائع.
١٧٦ - هذه أمثلة سقناها، وهي تريك صورة دقيقة لانتفاع الحنابلة بالقياس الفقهي، وإذا كان العراقيون كأبي حنيفة وغيره، ومن قاربه في الاجتهاد بالرأي من غير العراقيين قد أحسنوا وأجادوا وفرعوا وشعبوا مسالك الاجتهاد، فتلاميذ أحمد بن حنبل ومن خلفهم من الحنابلة قد استفادوا هذه الفائدة من القياس
287