290

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

٦ - الاستصحاب

١٧٧ - هذا أصل فقهي، قد أجمع الأئمة الأربعة ومن تبعهم على الأخذ به ولكنهم اختلفوا في مقدار الأخذ، فأقلهم أخذًا به الحنفية، وأكثرهم أخذًا به الحنابلة ثم الشافعية، وبين الفريقين المالكية. ويظهر أن مقدار أخذ الأئمة بالاستصحاب كان تابعًا لمقدار الأدلة التي توسعوا فيها، فالذين توسعوا في القياس والاستحسان، واعتبروا العرف دليلًا من أدلة الشرع يؤخذ به حيث لا نص، قلت عندهم مقادير المسائل التي أخذوا فيها بالاستصحاب، وكذلك كان الحنفية، وقاربهم المالكية، لأنهم أيضًا وسعوا باب الاستنباط بالمصالح المرسلة، فكان ذلك سببًا في قلة المسائل التي اعتمدوا فيها على هذا الأصل.

أما الحنابلة والشافعية الذين يعتبرون القياس أمرًا لا يصح الالتجاء إليه إلا عند الضرورة، فإنهم وسعوا طرائق الاستنباط بذلك الأصل، وكان الشيعة أكثر أخذًا من الفريقين.

١٧٨ - والآن نتجه إلى بيان حقيقته، وقد بين معناه الشوكاني في إرشاد الفحول، فقال: «معناه أن ما ثبت في الزمن الماضي، فالأصل بقاؤه في الزمن الحاضر والمستقبل، مأخوذ من المصاحبة، وهو بقاء ذلك الأمر ما لم يوجد ما يغيره فيقال الحكم الفلاني، كان فيما مضى، وكلما كان فيما مضى، ولم يظن عدمه، فهو مظنون البقاء»

وعرفه ابن القيم بأنه استدامة إثبات ما كان ثابتًا، ونفي ما كان منفيًا أي بقاء الحكم القائم نفيًا وإثباتًا، حتى يقوم دليل على تغيير الحالة، فهذه الاستدامة لا تحتاج إلى دليل إيجابي، بل تستمر لعدم وجود دليل مغير، ومثال ذلك إذا ثبتت الملكية في عين بدليل يدل على حدوث شرائها، فإنها تستمر بدليل هذا الشراء، حتى يوجد دليل يفيد نقل الملكية إلى غيره، ولا يكفي احتمال البيع لزوالها، بل لابد من قيام دليل عليه، وكمن علمت حياته في زمن معين، فإنه يغلب على الظن وجوده في الحاضر والمستقبل، حتى يقوم الدليل على غيره، فيحكم باستمرار حياته، حتى

م ــــ ١٩

289