291

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

يوجد ما يثبت الوفاة، فالمفقود يحكم بحياته، حتى يوجد ما يدل على وفاته، أو توجد الأمارات التي يغلب على الظن معها بأنه توفى، ويحكم بالوفاة بناء عليها. ويكون الحكم بالوفاة هو الذي منع استصحاب الحال من بعده، إذ كان مغيراً لها، أو مزيلاً لوجودها.

وإذا كانت غلبة الظن باستمرار الحال موجبة لاستمرار حكمها، فإن ذلك لا يعتبر دليلاً قوياً للاستنباط، ولذلك إذا عارضه أضعف أدلة الاستنباط الأخرى قدم عليه، ولذلك قال فيه الخوارزمي ((هو آخر مدار الفتوى، فإن المفتي إذا سئل عن حادثة يطلب حكمها في الكتاب ثم في السنة، ثم في الإجماع، ثم في القياس، فإن لم يجده يأخذ حكمها من استصحاب الحال في النفي والإثبات، فإن كان التردد في زواله فالأصل بقاؤه، وإن التردد في ثبوته، فالأصل عدم بقائه)) (١)

وعلى ذلك إذا كان الأصل في شيء الإباحة، فإنها تستمر، حتى يقوم دليل على الحظر، وإذا كان الأصل في شيء الحظر، فإنه يستمر الحظر، حتى يقوم دليل على الإباحة، وإذا كان الأصل في أمر الوجوب استمر الوجوب، حتى يقوم الدليل على عدمه، فإذا كان الأصل في العقود والشروط وجوب الوفاء بها أخذاً من عموم النصوص الموجبة لها، فإن ذلك الوفاء ثابت لكل عقد وشرط، مهما يكن، حتى يقوم الدليل على وجوب الوفاء، وإذا كان الأصل في المصالح والمنافع الإباحة، فإن كل أمر فيه منفعة يصح تناولها، حتى يقوم الدليل على حظرها، وهكذا كان ذلك الأصل في الاستنباط موسعاً في المذهب الحنبلي، وإن كان ذلك المذهب أثرياً نقلياً يعتمد على اتباع السلف، ويشدد في هذا الاتباع، لأنه إن كان يشدد في قبول الدليل المثبت من حيث موافقته للآثار، فهو يشدد أيضاً في قبول الدليل المغير للأحوال الذي يبطل الاستصحاب، وعلى ذلك تكثر أحكام الاستصحاب، ولهذا كان ذلك المذهب الكريم من أقل المذاهب تقييداً وأوسعها إطلاقاً، وسنبين عند الكلام فى

(١) إرشاد الفحول ص ٢٠٨

290