292

Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

العقود والشروط أنه أكثر المذاهب الإسلامية إطلاقا لحرية التعاقد، ولعله المذهب الوحيد الذي يقرر أن آثار العقود من عمل المتعاقدين، وأن الشروط مقاطع الحقوق

١٧٩- والحكم الذي يثبت باستمرار الحال، أو على التحقيق يستمر باستمرار الحال، له جانبان: جانب إيجابي مثبت، وجانب سلبي مثبت، ولعل أوضح مثل نقرر به هذين الجانبين المفقود، قبل الحكم بوفاته. فإن الحال التي كانت ثابتة هي الحياة فيفرض استمرارها، وتستمر معها الأحكام؛ وهي ذات جانبين.

أحدهما اكتساب الحقوق التي تثبت للحي قبل غيره، كميراثه من غيره، وانتقال ملك الغير إليه بمثل الوصية والميراث، فإن هذا جانب إيجابي يجلب حقوقا جديدة، وهناك جانب سلبي وهو الثاني، وهو ملكيته للأمور الثابتة ملكيتها قبل الفقد، ومنع غيره منها، لفرض استمرار حياته، ويسمى ذلك الحق سلبيا؛ لأن قصاراه منع الغير من امتلاكه.

ولقد قرر الحنفية أن استصحاب الحال لا يمكن أن يثبت به إلا الحقوق السلبية أي يمنع انتقال ملكية مال المفقود لغيره، بل تستمر هذه الملكية على ذمته؛ لبقاء ذمته، وقال الحنابلة والشافعية إن استصحاب الحال يثبت الحقين الإيجابي والسلبي، مادام لم يقم دليل مانع لاستمرارها. وعلى ذلك يرث المفقود من غيره، وتثبت له الوصايا، وينال استحقاقه في الأوقاف وتثبت له الغلات التي حدثت وقت فقده، ولذلك يقولون إن الاستصحاب يصلح دليلاً للإثبات والدفع، وأما الحنفية فيقولون إنه يصلح للدفع فقط.

١٨٠ - ولقد قرر ابن القيم معنى قول الحنفية إن الاستصحاب يصلح حجة للدفع دون الإثبات بقوله:

معنى ذلك أنه يصلح لأن يدفع به من ادعى تغيير الحال، لإبقاء الأمر على ما كان، فإن بقاءه على ما كان، إنما هو مستند إلى موجب الحكم، لا إلى عدم المغير، فإذا لم نجد دليلا نافيا، ولا مثبتاً أمكنا ألا نثبت الحكم، ولا ننفيه، بل

291