Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
ندفع بالاستصحاب دعوى من أثبته، فيكون حال المستمسك بالاستصحاب كحال المعترض مع المستدل، فهو يمنع الدلالة حيث يثبتها؛ لا أنه يقيم دليلاً على نفي ما ادعاه، وهذا غير حال المعارض، فالمعارض لون، والمعترض لون، فالمعترض يمنع دلالة الدليل، والمعارض يسلم دلالته، ويقيم دليلاً على نقيضه)) (١)
وهذا الكلام يتلاقى مع ما قررناه من أن الحنفية يقررون الأخذ بالجانب السلبي من دلالة الاستصحاب دون الجانب الإيجابي؛ إذ أن مؤداه أن المستمسك بالاستصحاب يستمسك بالأصل الذي كان ثابتاً، الذي لم يقم دليل على تغييره، فهو لا يقيم دليلاً على صحة ما يدل عليه يثبت به حقوقاً إيجابية، ويعارض دعوى تنافيها، ولكن يعترض به على مدعي التغيير من غير أن يعارض الدعوى بدليل إيجابي مناهض، ولذلك كانت حاله حال المعترض على الدليل، وما يطالب بالدليل عليها، ومتى قام الدليل سقط الاعتراض، وليست حال المعارض الذي يكون معه الدليل، بحيث لا تسقط المعارضة بمجرد قيام الدليل على الأمر، بل عند قيام الدليل، يكون ثمة دليلان متعارضان، فيوازن بينهما.
١٨١ - والمصادر الإسلامية الثابتة التي نقلها السلف الصالح، وتلقوها بالقبول تثبت ذلك الأصل، ولنضرب لذلك بعض الأمثلة من المقررات في المذهب الحنبلى
أ - قد قرر الحنابلة آخذين من الآثار أن الصيد إذا غرق في الماء قبل الاستيلاء عليه لا يؤكل، ولو وجدت آثار السهام فيه، لأنه لا يدري أقتل غرقاً فلا يحل، أم قتل بالسهم الذي سمي عليه عند إرساله فيحل، ولما كان الأصل في الذبائح التحريم، حتى يثبت الحل بالذبح المسمى عنده، أو بالصيد الذي سمي عند إرسال آلته، ولم يثبت دليل الحل بيقين فتبقى القضية على أصل التحريم.
ب - لقد قرر الحنابلة أيضاً أن الأصل في الماء أنه طاهر مطهر، فيبقى على ذلك الأصل، حتى يقوم دليل على انتقاله من هذه الحال، إلى حال أخرى تغير
(١) أعلام الموقعين ١/٢٩٤ و ٢٩٥، ٢٩٦
292