Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
د - ومن صور الاستصحاب استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع،وقد ضربوا لذلك مثلاً، الشخص الذي لا يجد الماء قط، فإنه قد أجمع الفقهاء على أنه يجوز له التيمم، والصلاة بهذا التيمم، فإذا أتم الصلاة قبل رؤية الماء فقد صحت الصلاة، ولو رآه بعد ذلك، ولو رآه قبل الصلاة لا تصح إلا بوضوء، ولكن إذا رآه في أثناء الصلاة أتبطل الصلاة، ويستأنفها من وضوء؟ قال الذين يحكمون بأن استصحاب حال الإجماع دليل يستمر - إن الصلاة تصح، ويتمها، ولا يستأنفها.
ومن الأمثلة على ذلك أم الولد، وهي الأمة التي يتسرى بها سيدها، ويستولدها، فتلد ولداً له، فقد قال جمهور الفقهاء لا تباع، وقال الظاهرية تباع، لأن الإجماع منعقد على جواز بيعها قبل أن تلد، والولادة لم تزل هذا الإجماع، فيستمر حكمه بمقتضى استصحاب الحال.
وهذا النوع من الاستصحاب محل خلاف بين الأصوليين، وهو محل خلاف بين الحنابلة أيضاً، فبعضهم يعتبره حجة، والقاضي أبو يعلى وابن عقيل وأبو الخطاب وغيرهم لا يعتبرونه حجة، لأن انعقاد الإجماع على صفة لا يستلزم الإجماع على صفة أو حال أخرى، فقد انعقد الإجماع على صحة الصلاة من غير رؤية الماء، وهذا لا يقتضي بقاء الإجماع مع رؤية الماء، والاستصحاب شرطه بقاء الحال على الصفة التي كانت وقت الحكم، فإن هذه هي التي تعد مناطه، فإذا تغيرت الصفة، فقد زالت الحال، أو تغير موجب الحكم، فيكون الأمر خاضعاً لحكم آخر، ومن جهة أخرى فإن استصحاب الحال لا يصلح حجة أمام دليل آخر، فإذا كان الصحابة أجمعوا على جواز بيع الأمة من غير استيلاد، فقد قام الدليل على عدم جواز بيعها عند الاستيلاد، فإن فرض بقاء الحال، فإن الاستصحاب لا يصار إليه في الفتوى إلا عند فقد غيره من الأدلة كما قررنا... وهكذا
١٨٣ - من هذا القول تبين أن الحنابلة يأخذون بالاستصحاب أصلاً من أصول الفتيا
ويتوسعون فيه أكثر من الحنفية وأكثر من المالكية، ويقاربون الشافعية
295