Ibn Ḥanbal ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
٧ - المصالح (١)
١٨٤ - نقلنا لك الأصول التي ذكر ابن القيم أنها أصول الاستنباط عند أحمد، ولم يذكر المصالح منها وليس عدم ذكرها دليلاً على عدم اعتبارها، بل إن فقهاء الحنابلة يعتبرون المصالح أصلاً من أصول الاستنباط، وينسبون ذلك الأصل إلى إمامهم جميعاً. وإن ابن القيم نفسه يعد المصالح أصلاً من أصول الاستنباط، بل إنه يقرر أنه ما من أمر شرعه الشارع إلا وهو متفق مع مصالح العباد، وإن أمور الشريعة التي تتصل بمعاملات الناس تقوم على إثبات المصلحة، ومنع الفساد والمضرة، ويتكرر ذلك في كل الكتب التي كتبها، فتراه مثبوتاً في إعلام الموقعين، ومفتاح دار السعادة، وزاد المعاد في هدى خير العباد، وغير ذلك مما كتب في الأصول والفروع، وينسب ذلك إلى الإمام أحمد، ولكنه لم يذكره عند ذكر أصوله، لأنه يرى أنه داخل في باب القياس الصحيح، وقد علمت فيما نقلناه لك عنه وعن شيخه ابن تيمية أنهما ومعهما كثيرون من الحنابلة ينظر في الأقيسة نظرة أوسع مما ينظر غيرهم من الفقهاء الذين ضبطوا قواعد القياس، ومسالك العلة فيه، لأنهم يجعلون الأوصاف المشتركة التي تبنى على أساسها الأقيسة الصحيحة، وتسير معها طرداً وعكساً تكون مستمدة من أغراض الشريعة العامة ومقاصدها السامية، ولذلك يعتبرون الحكم، والأوصاف المناسبة هي أساس الأحكام، واطراد الأقيسة، وليست هذه الحكم والأوصاف المناسبة إلا المصالح، ودفع المضار، ومنع الحرج من الضيق.
ولقد قرر علماء الأصول أن أحمد ابن حنبل، ومالكاً رضي الله عنهما، قد أخذا بمبدأ المصالح المرسلة من غير نكير من أتباعهما، بل إن بعض كتاب الحنابلة قد أغرقوا في اعتبار المصالح إغراقاً قد خلع فيه الربقة في نظرنا، وعلى رأس هذا الفريق
(١) تكلمنا في كتاب مالك عن أصل المصالح المعتبرة، ووازنا بين أقوال الفقهاء، وأقوال علماء الأخلاق ولا نريد أن نكرر هنا ما قلناه هناك، ولذا نقتصر هنا على النظر الحنبلي فيها.
297