Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
(وثانيهما) أن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فيهما كل الغناء ليعرف المسلم عقيدته كلها. وأن ذلك الورد الصافي ليس فيه ما يرنق صفاء العقول؛ وأن السلف الصالح رضوان الله تبارك وتعالى عنهم كان علمهم من القرآن، وهديهم من محمد صلى الله عليه وسلم؛ وكانوا مع ذلك أقوى الناس إيماناً؛ وأشدهم يقيناً، وأكثرهم اطمئناناً؛ ولقد سلك المسلمون من بعدهم سبيلهم، واتبعوهم بإحسان.
وليس في القرآن بيان العقيدة بياناً إخبارياً من كل الوجوه؛ بل فيه الأدلة المنتجة يقيناً؛ ففيه الحث على النظر؛ وتوجيه العقول إلى الكون، ودلالته على الخالق العليم المريد، ولقد وجد السابقون فيه الأدلة التي انتهت إلى التصديق الصحيح، وكذلك كان الشأن في كثير من علماء الأديان والحكماء الذين ارتضوا الإسلام ديناً؛ وما كانوا يرون في القرآن نقصاً في الاستدلال؛ أو أدلته فيها مدخل للاحتمال، فكانوا به مؤمنين.
وما أحسن ما قاله ابن تيمية في هذا المقام: إن معرفة الإنسان بكونه يعلم أو لا يعلم مرجعه إلى وجود نفسه عالمة، ولهذا لا تحتج على منكر العلم إلا بوجود نفوسنا عالمة، كما احتجوا على منكري الأخبار المتواترة بأنا نجد نفوسنا عالمة بذلك، وجازمة به كعلمنا وجزمنا بما أحسسناه.. وإن من نظر في دليل يفيد العلم وجد نفسه عالمة عند علمه بذلك الدليل، كما يجد نفسه سامعة رائية عند الاستماع الصوت والترائي للشمس أو الهلال أو غير ذلك. والعلم يحصل في النفس، كما يحصل سائر الإدراكات والحركات بما يجعله الله من الأسباب(١))).
وقد آمن السلف، لأنهم رأوا في القرآن البينات المثبتة، وأحسوا في أنفسهم بالإيمان، ويؤمن الناس في كل العصور، لأنهم يرون في القرآن البينات المثبتة.
٢٦٦- وإذا كنا نوافق ابن تيمية في أن القرآن فيه شرح العقيدة وأدلتها، وأن في ذلك الغناء لمن يطلب اليقين. ويريد الحق سائغاً غير مرنق بهوى
(١) نقض المنطق ص ٢٨.
251