253

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

أو انحراف؛ فإنا لا نوافق الرازي عندما قرر في كتابه نهاية العقول أن الاستدلال بالسمعيات في المسائل الأصولية لا يمكن بحال؛ لأن الاستدلال بها موقوف على مقدمات ظنية؛ وعلى رفع المعارض العقلي، وإن العلم بانتفاء المعارض لا يمكن؛ إذ يجوز أن يكون في نفس الأمر دليل عقلي يناقض ما دل عليه القرآن، لسنا نوافق فخر الدين الرازي على ذلك القول لثلاثة أسباب:

أولها- أن القرآن لم يجئ بالخير وحده في أمور الاعتقاد، بل جاء بالدليل مقترناً بالخير ردفاً له، فآياته البينات مشتملات على توجيه النظر إلى الكون وما فيه من إبداع وإحكام وإتقان، وما من آية دلت على التوحيد إلا وقد اقترن بها توجيهات إلى الحقائق الكونية، فما في القرآن ليس خيراً مجرداً، بل هو دليل عقلي مستقيم للمتأمل المستبصر.

ثانيها- أنه يفرض أن ما نص عليه القرآن وما ساقه من دليل قد يكون فيه دليل عقلي يناقضه، وحيث كان الاحتمال فقد سقط الاستدلال، وهذا تفكير غريب؛ لأن القرآن إذا ساق دليلاً وكان منتجاً، فإننا لا نفرض مناقضاً، حتى يقوم هذا المناقض، وإلا فإن كل دليل مهما يكن مستمداً من بدائه العقول، والمقررات يصح أن يرفض لاحتمال أن يوجد ما ينقضه، فإن احتمال المناقض كما يجوز على أدلة القرآن يجوز على غيرها، وإذا قيل إن الأدلة التي يسوقها الفلاسفة وأشباههم تكون مشتقة من بدائه العقول، فكل دليل في ذاته يحمل في نفسه منع ما يناقضه، إذ قيل ذلك، فإننا لا ندري لماذا لا يفرض في الأدلة التي يسوقها القرآن ذلك الفرض أيضاً إذ هي توجه الأنظار إلى حقائق الأكوان، وذلك في ذاته ينفي احتمال المناقض، أو على الأقل المناقض الذي له دليل، وإن ذلك كاف في الجزم واليقين.

ثالثها- أنه يؤمن كل الإيمان بالأدلة العقلية في الإلهيات، ويرى أنها تنتج جزءاً ويقيناً، مع أن ذلك موضع نظر بين العلماء والحكماء، فإنه من المقررات

252