254

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

العقلية أن البراهين الرياضية وما يتصل بها تنتج جزءاً وقطعاً لا ريب في ذلك، لأنها تبنى على البدهيات التي تقرر المساواة الأصلية، وأن مساوي المساوي يتساوى مع الأول؛ وأنها في اتساقها الفكري تنتهي إلى ذلك دائماً؛ وأنها مهما تتعقد على المدارك، فإنها تنتهي إلى مبدأ المساواة الفكري.

وأما الأدلة المتصلة بالطبيعيات فإنها عند أولئك الفلاسفة تنتج ظناً؛ لأن أساسها الاستقراء، والاستقراء قد يكون ناقصاً.

والأدلة المتصلة بالإلهيات قد اختلف الباحثون في شأنها؛ والمحققون على أنها ذاتها لا تنتج قطعاً تاماً، ولكن بترادفها وتكاثرها، قد يكون منها الجزم واليقين(١). فإذا كان الرازي بترك القرآن وأدلته في إثبات العقائد معتبراً ذلك دليلاً سمعياً لا يعول عليه فيها، فقد ترك موضع الحزم واليقين إلى متاهات العقول، وضلال الأفهام، وذلك ما كان يتحاشاه شيخ الإسلام ابن تيمية.

٢٦٧- نحن إذن نخالف الرازي في هذا المقام بالنسبة للمسلم، فإن المسلم لا يسوغ له أن يطلب عقيدته إلا من القرآن الكريم، ففيه علم العقيدة الصافي، والعقول تعمل على إدراكه وفهمه. وما يشتبه علينا نؤوله ونفسره إن كانت الأسباب للتأويل والتفسير قائمة، وتكون الدواعي إلى التأويل مما جاء به التنزيل، وليس لهوى العقول.

ولكن هل تقف العقول لا تطلب علماً وراء علم القرآن، وهل يمكن أن يقنع غير المسلم بأحكام القرآن من غير أدلة وراء أدلته، ولنبين الجواب عن السؤال الثاني فإن فيه تمهيداً للأول، إن غير المسلمين طائفتان: إحداهما طالبة للحق لا تبغي غيره، وفي القرآن هداية لهذه الطائفة فإنها ليس بينها وبين أن تدرك الحق إلا أن تعلمه بالطريق المستقيم، وفي القرآن الكريم قصد السبيل، والهداية إلى الطريق

(١) راجع في هذا كتاب التوحيد للمرحوم الأستاذ الكبير الشيخ حسين والي رضي الله عنه.

253