255

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

القويم بآيات بينات مثبتة لطلب الحق؛ هادية؛ وإن السلف الصالح من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم آمنوا لما علموا أنه الحق من القرآن نفسه، فلم يكن ثمة احتجاج فلسفي، ولا قياس برهاني، بل كان هناك سائغ قامت البينات على أنه حق سائغ. ومن كفر من المشركين فلم يكن ذلك لنقص في الدليل، بل كان لضلال القلب وفساد النفس بالهوى، ومنهم من كان يرى الحق واضحاً ولكن تمنعه الكبرياء الظالمة من الإيمان ((وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً فانظر كيف كان عاقبة المفسدين)). الطائفة الثانية من غير المسلمين طائفة كفرت على علم وعاندت وموهت وضلت. وأضلت، لا يهتدون بالحق المجرد، ولا بالآيات البينات، وهؤلاء ممن يرجون بالإسلام خبالا، ولا يريدون إلا فساداً، لا يكفيهم أن يتلى عليهم القرآن بأدلته، ولا أن يوجهوا إلى الكون، وما فيه من آيات مبصرات توضح للعقول طريق الحق، إنما لابد أن يقام لهم الدليل، وأن تساق لهم البراهين، وإنه لأجل إلزامهم وإفحامهم لا مانع من أن يسلك مثل طريقهم، وأن يخوض الباحث معهم في نظرياتهم ليلزمهم بالقرآن إن وجد في ذلك ما يلزمهم.

وعلى ذلك نقرر أنه يسوغ تعلم تلك العلوم ذوداً عن الإسلام وحماية له، ومجادلة بالتي هي أحسن، فعساهم يهتدون وعساهم يعتنقون الحق، ومن استمر منهم على المماراة والمهاترة، كان في دراسة أساليبهم ما يفحمه ويلجمه، فإن لم تؤد المجادلة بحججهم إلى الاقتناع أدت بلا ريب إلى الإلزام والإفحام.

٢٦٨- وإن تلك الطائفة من المخالفين لا تترك الإسلام في هدوء، بل إنها تثير حوله الريب، فلابد من مجادلتهم، ومن أجل ذلك تصدى لهم المعتزلة من قديم الزمان، فإنه لما فتحت الفتوح الإسلامية، ودخل الناس في دين الله أفواجاً أفواجاً وجد من المتعصبين من اليهود والنصارى والمجوس من حاولوا أن يفسدوا الإسلام على أهله، فكانوا يدسون بين أهله، أفكاراً بعيدة عنه، ليتخذوها حجة للطعن فيه، وكانوا يثيرون الغبار حوله من وقت لآخر، وقد

254