257

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

العقل لا تتقيد بالمنطق، وقد يكون ميزاناً ضابطاً، ومع ذلك ليس هو وحده طريق الضبط العلي؛ فإن سلامة الفطرة واستقامة العقل قد تغني عنه كل الغناء في التأليف بين المسائل، والتوفيق بين متنافرها؛ وحسبك أن تعلم أن العلماء الأولين أنتجوا ما أنتجوا في أبواب العلم وهم لا يعرفونه، وحسبك أن تقرأ رسالة الشافعي لترى فيها حسن التنسيق، والتبويب والترتيب، والسلامة العقلية، مع أنه لم يكن بالمنطق على علم، إذ لم يكن قد ترجم أو على الأقل لم يكن قد ذاع وشاع وتداولته الأقلام.

٢٦٩- انتهينا من هذه الدراسة إلى أن ابن تيمية قد شدد النكير على الفلاسفة، وشدد النكير على العلماء الذين قبلوا طريقتهم في بحث العقائد الإسلامية ودراستها؛ واشتد في النكير على حجة الإسلام الغزالي. لما جعل علم البرهان ميزاناً لكل العلوم، ولقد رأى أنه لا سبيل لمعرفة العقيدة والأحكام وكل ما يتصل بها إجمالاً وتفصيلاً، إلا من القرآن والسنة المبينة له، وسار في مسارهما، فما يقرره القرآن وما تشرحه السنة يقبله كما ورد، ولا يجعل للعقل سلطاناً في تأويله أو تفسيره أو تخريجه إلا بالقدر الذي تؤديه العبارات، وتضافرت به الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إذا علم ذلك قربه هو من مألوف العقول، وأثبت أنه لا يناقض العقل في شيء، فهو لا يقبله حاكماً، ولا شاهداً، ولكن يقبله مقرراً مؤيداً، فيقرب المنقول من المعقول، من غير أن يجعل للثاني سلطاناً في الرفض والقبول.

ولنبتدي بدراسة آرائه السلفية في العقائد بدراسة الوحدانية، وسنتكلم عن الوحدانية والصفات، ثم الوحدانية في الخلق والإنشاء، ثم الوحدانية في العبادة.

256